تقرير النجارة الجليس تؤمن سبل عيش عائلتها من داخل ورشة صغيرة

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

بيديها اللتين بدا ملمسهما غير ناعم تمسك بمنشار كهربائي صغير تحول الألواح الكبيرة إلى مقاعد صغيرة، تحرص قبل تجميعها على تمليسها بحجر الجلخ، كل ذلك تحاول صنعه قبل حلول موعد انقطاع التيار الكهربائي بتوقيت مدينة غزة.

فدوى الجليس (47 عامًا) -وهي أم لتسعة أبناء- تسكن منطقة الشجاعية شرقي مدينة غزة، تعود أصولها إلى مخيم جنين في الضفة الغربية، انتقلت إلى العيش في قطاع غزّة بعد زواجِها من غزيّ وعمرها لم يتجاوز 16 عامًا.

لعل الظروف الاقتصادية التي مرت بها عائلتها دفعتها إلى النبش في مهنة النجارة التي تعلمت أصولها وأساسياتها وهي طفلة في بيت أبيها، إذ كانت تشاركه في سن تسع سنين في العمل بورشته الصغيرة، بسبب الفقر الذي تعانيه عائلتها، فتساعده في إنجاز الأعمال المطلوبة.

تقول الجليس لصحيفة "فلسطين": "تعلمت من صغري الصبر والقوة والفهم والعين الناقدة، لأبدأ مشروعًا خاصًّا بي قبل ثلاث سنوات، وأخوض غمار مهنة وأستفيد مما تعلمته في صغري، ولم أكن أعلم مدى تقبل المجتمع فكرة عمل المرأة في النجارة، ولكن الظروف والأوضاع هي التي تفرض نفسها بعد أن فقد زوجي عمله في الخياطة، وتبين لي أنه لا يوجد فرق إلا بالجودة والإتقان".

عينها التي وصفتها بـ"الناقدة" تستطيع صناعة الإبداع من الألواح الخشبية، وأول ما بدأت بصناعته المستلزمات الخشبية المنزلية البسيطة كالمقاعد الصغيرة، والمغارف الخشبية، والبراويز.

وتشير إلى أن صناعتها ذات جودة عالية، وتبيعها بأسعار أدنى من المعروضة في السوق.

وتوضح الجليس أنها عندما سمعت إعلانًا إذاعيًّا لإحدى المؤسسات النسوية عن النساء اللواتي يمتلكن حرفة ويسعين لتطويرها، توجهت إلى المؤسسة لتقديم امتحانين كتابي وعملي، وحصلت فيهما على درجات عالية، وفي إثر ذلك منحت مبلغًا ماليًّا لافتتاح مشروعها وشراء ما تحتاج له من أدوات كهربائية وأخشاب بأنواعها المختلفة وغيرها من المقتنيات.

وعلى صغر حجم المكان الذي تعمل به الجليس باتت توفر كميات كبيرة من المنتجات الخشبية، فزاد إنتاجها زيادة أهَّلتها للمشاركة في معارض محلية وجدت فيها فرصة ملائمة للتسويق، وتعريف الزبائن منتجاتها، خاصة مع العدد الكبير من الزائرين.

ولم يخلُ طريق الجليس من التحديات والمعيقات التي تواجهها، بداية من الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة، وإغلاق المعابر ومنع إدخال الأخشاب وارتفاع أسعارها، وبالتالي ارتفاع التكلفة الإنتاجية لمشغولاتها الخشبية.

وتلفت الجليس إلى الأثر السلبي لجائحة كورونا على حرفتها، إذ حرمتها عرض منتجاتها في الأسواق الشعبية، الذي كان مهمة أبنائها، "فالإغلاقات المتكررة أدت إلى عزوف الناس عن الذهاب إلى الأسواق، خوفًا من انتقال الفيروس".

أما التحدي الأهم الذي نغص حياتها -كما تقول- فكان في العدوان الأخير على غزة إذ قصف بيتها، واضطرت إلى استئجار بيت آخر، ما زاد من العبء المالي عليها، تستدرك: "لكن بفضل الله نجت المخرطة التي يقوم عليها كل العمل".

وعلمت الجليس أبناءها الأربعة من الذكور حرفة النجارة ليساعدوها في العمل، ودفعتهم إلى تلقي التعليم المهني إلى جانب تعلمهم أصول العمل منها.

ولم تقف الجليس عند حدود ما تصنعه، وتعمل دائمًا على تطوير نفسها بتعلم طلاء الأثاث، والحفر على الخشب وحرقه لأغراض مهنية.