​عباس والمصالحة .. مسارات من التعطيل ورفض المبادرات

...
غزة - يحيى اليعقوبي

منذ أحداث الانقسام الفلسطيني وهناك مبادرات مختلفة قدمت لإنهائها، إلا أن رئيس السلطة محمود عباس، وفق مسؤولين ومحللين، كان يتراجع عن المبادرات في اللحظات الأخيرة، الأمر الذي يؤشر لاستجابته للضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي لا تريد تحقيق المصالحة الفلسطينية.

وثمة أسباب تقف وراء تعطيل عباس لمبادرات المصالحة، وفق متابعين للشأن الفلسطيني تحدثوا لصحيفة "فلسطين"، من بينها أن عباس يريد أن يظل في مساحة تسمح له بالخروج من أي مأزق في حال تعرضه لضغوط أمريكية وإسرائيلية، والأمر الثاني، أن البقاء في حالة تشاحن مع حماس يحقق له مكاسب حزبية وإسرائيلية وأمريكية.

مبادرات

وكانت صحيفة "الحياة" اللندنية كشفت النقاب عن طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخرا مبادرة لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وأن حركة حماس وافقت عليها دون تحفظ، في حين أن رئيس السلطة عباس وافق عليها مبدئيا، لكنه أهملها لاحقا، وكلّف مدير مخابراته ماجد فرج بتقديم مبادرة بديلة.

وأطلقت حركة حماس، الخميس الماضي، مبادرة لتحقيق المصالحة، وأكدت فيها استعدادها لإنهاء اللجنة الإدارية الحكومية فور استلام حكومة التوافق الوطني لمسؤولياتها كافة، وعلى رأسها استيعاب الموظفين الذين على رأس عملهم بقطاع غزة.

وفي إبريل/نيسان الماضي قدمت قطر مبادرة لإنهاء الانقسام وتنص على تشكيل حكومة وحدة وإجراء انتخابات وحل قضية الموظفين، إلا أن حركة "فتح" رفضتها، وكانت العاصمة الروسية موسكو استضافت لقاءً للمصالحة بين فتح وحماس في يناير/ كانون ثاني الماضي، إلا أنها لم تسفر عن نتائج بخصوص المصالحة.

والعام الماضي، طرح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي د. رمضان شلح في ذكرى انطلاقة حركته في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2016م مبادرة من 10 نقاط "للخروج من المأزق الفلسطيني"، منها إنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة، ورحبت حماس وقوى فلسطينية بالمبادرة، لكنها قوبلت بالرفض من عباس.

وبذلت شخصيات مستقلة في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2016جهودًا للدفع باتجاه إنجاز المصالحة، واجتمعت مع رئيس حكومة رام الله رامي الحمد الله، وذلك بعد ثلاثة أيام من لقائها عباس للغرض نفسه، لكن لم تبرز أي نتائج عن اللقاءات.

والتقى وفدان من فتح وحماس في 19 حزيران/ يونيو 2016م في الدوحة، ضمن مساعي تحقيق المصالحة، دون نتائج على الأرض، إذ أكدت حماس أن فتح "أفشلت" لقاءات الدوحة بتراجعها عن الاتفاقات السابقة.

دور انقسامي

وأمام ذلك، قال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم: "إن دور عباس الانقسامي برز منذ فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 ورفضه لنتائجها من خلال عدم منح الحكومة التي شكلتها حماس الصلاحيات اللازمة للقيام بمهامها".

وأضاف قاسم في تصريحات لـ"فلسطين": "أن عباس أصر على التمسك ببرنامجه السياسي"، مشيرا إلى أنه بعد أحداث الانقسام رفض عباس التعاطي مع أي من المبادرات الخاصة بالمصالحة وظل على موقفه الرافض للشراكة الوطنية".

وأضاف: "كما ظل عباس يتبع سياسات مرفوضة من الكل الوطني مثل التنسيق الأمني بين أجهزته الأمنية والاحتلال الإسرائيلي ومحاربته لخيار المقاومة سياسيا وميدانيا وإعلاميا"، مشيرًا إلى أن عباس عمل على اتباع سياسة الانتقاء من اتفاقات المصالحة التي تم توقيعها عام 2014م، بتشكيله للحكومة وتعطيله لباقي بنود المصالحة.

ولفت إلى أن عباس رفض التعاطي مع الجهود المحلية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة وكان دائما يرفض الصيغ المقدمة من تلك الدول.

وعن مبررات عباس بتشديد العقوبات ضد غزة بذريعة إنهاء الانقسام، أوضح قاسم أن إجراءات عباس العقابية هي ضد كل أهالي قطاع غزة "فهو بالتعاون مع الاحتلال قلص الكهرباء عن كل سكان القطاع ويمنع تحويل المرضى للعلاج في الخارج".

وأكد أن إجراءات عباس ضد غزة تكرس الفصل الكامل بين القطاع والضفة الغربية وهو ما يعني التقاطع مع أهداف الاحتلال، لافتًا إلى أن عباس اذا كان يريد إنهاء الانقسام فالطريق واضحة وهي بأن يقوم بتطبيق بنود اتفاق المصالحة وأن تقوم الحكومة بمهامها في غزة.

إدارة صراع

من جانبه، أرجع أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية د. وليد المدلل، سبب نقض عباس أي اتفاق للمصالحة، لعدم وجود جدية للذهاب لاتفاق كامل، لافتا إلى أن عباس يريد أن يظل في مساحة تسمح له بالخروج من أي مأزق، حينما يتعرض لضغوط من الاحتلال.

وقال المدلل لصحيفة "فلسطين": "إن المصالحة بالنسبة لعباس تعني نهايته"، مضيفا: "إذا كان عباس يريد تحقيق المصالحة، عليه تقديم إجراءات حسن ثقة مع الأطراف الأخرى".

وأضاف: "إن الأيام السابقة أثبتت عدم جدية عباس بتحقيق المصالحة، وأنه يستخدم الحديث عنها كوسيلة لإدارة الصراع مع حماس، إذ إن البقاء في حالة تشاحن مع حماس يحقق له الكثير من المكاسب الحزبية"، معتبرا أنه يتساوق مع الاحتلال الذي يعارض تحقيق مصالحة بين حماس وفتح.

ولفت إلى أن إجراءات عباس العقابية ضد غزة تتساوق مع مشاريع إسرائيلية وأمريكية تهدف للتضييق على غزة بشكل عام، وحماس بشكل خاص، منوهًا إلى أن هناك ضوءًا أمريكيا وإسرائيليا لإجراءات السلطة الأخيرة ضد غزة.

أما الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم، فقال: "إذا أردنا وحدة وطنية فلسطينية يجب إلغاء اتفاق أوسلو أولا"، مستدركا: "بأن السلطة لا يمكنها إلغاء الاتفاق اذا أرادت أن تبقى موجودة، واستمرارها بالاتفاق يعني استمرار الانقسام".

وأوضح قاسم لصحيفة "فلسطين"، أن "ما يجري في القطاع من إجراءات عباس هو تبعا لمتطلبات أمريكية وإسرائيلية"، مشيرًا إلى أن أمريكا والاحتلال طلبوا من عباس أن ينفض يديه من غزة، ويتوقف عن دفع رواتب الموظفين ويرفع من درجة الضغط على غزة بأن يتوقف عن دفع رواتب الأسرى وأسر الشهداء.

وأضاف: "إن أمريكا عندما طلبت من عباس رفع مستوى العقوبات ضد غزة، كانت تفكر بإنشاء دولة فلسطينية بقطاع غزة وشمال سيناء، وما زالت تفكر بالحل الإقليمي وليس الفلسطيني، بهدف خدمة مصالح الاحتلال".

وتابع: "السلطة هي من صنعت الانقسام عندما انقلبت في 13 فبراير/ شباط عام 2006م على نتائج الانتخابات، حينما انعقد المجلس التشريعي وقرر احداث تغيير في الصلاحيات من أجل نزع الصلاحيات من الحكومة الجديدة.