ينشغل أهل غزة بأوجاعهم وجوعهم وهمومهم وأحوالهم المعيشية الصعبة، وهم قلقون على مصيرهم ومستقبلهم، ولاسيما في هذه المرحلة الانتقالية الغارقة في بحر التوقعات بين التفاؤل بغد أفضل، والتشاؤم من مستقبل غامض، لم تتضح معالمه بعد، رغم التوافق على تشكيلة اللجنة الوطنية لإدارة شؤون غزة للمرحلة القادمة.
وقد يكون أكثر ما يثير فزع الناس على مستقبلهم سؤالان:
السؤال الأول: هل ستمضي عمليه تسليم المقرات الحكومية في غزة بأمن وسلام، وتنتقل الإدارة من قيادة حركة حماس إلى قيادة اللجنة الوطنية دون مشاكل، ودون تلكؤ، ودون كمائن، قد تجر إلى صراعات داخلية، وتشويش للحياة العامة في غزة؟
والسؤال الثاني: ما مصير أكثر من خمسين ألف موظف، يمارسون أعمالهم الوظيفية حتى هذه اللحظة، رغم العدوان الإسرائيلي على مدار سنتين، ارتقى الكثير منهم شهداء؟
وهل سيواصلون أعمالهم تحت الإدارة الجديدة؟ أم سيتم الاستغناء عنهم، واستبدالهم بغيرهم، بموظفين جدد، وموظفين من زمن السلطة الفلسطينية، مضى على قعودهم في البيت عشرين سنة؟
أسئلة يغرق بها الشارع الفلسطيني في قطاع غزة، ولا جواب شافٍ يطمئن الموظفين على مصيرهم ومستقبل عائلاتهم، وهم في حالة من الترقب الفزع، والانتظار الحذر لما ستؤول إليه المرحلة القادمة.
وكي أستجلي المشهد تواصلت عبر الهاتف مع الأخ محمد هاشم الفرا، رئيس لجنة الطوارئ التي تسير الأعمال الحكومية في قطاع غزة، وناقشت معه مستقبل غزة وموظفيها؟ ومتى سيصير تسليم المهام من القديم إلى الجديد؟ وكيف ستتم عملية التسليم والتسلم؟
وكانت المفاجأة بالتفاؤل الذي أبداه الرجل على مستقبل غزة، فهو يرى أن اللجنة الوطنية التي تم التوافق الفلسطيني بشأنها، هم من أبناء غزة، ولن تكون لهم مواقف وقرارات ومسلكيات تتعارض مع التوجه العام لأهالي غزة، بما في ذلك قضية الموظفين، ولن يخذلوا شعبهم الذي وثق بهم، وصمد سنتين أمام آلة الإرهاب الصهيوني، وينتظر وصولهم لتسلم مسؤلياتهم بلا أي اعترض أو تلكؤ من قبل مجموعة العمل الفلسطيني التي أدارت شؤون غزة لعشرين سنة خلت، وأضاف أبو هاشم يقول:
نحن مع مصلحة شعبنا، نحن مع وقف العدوان الإسرائيلي الهادف إلى كسر الإرادة الفلسطينية، نحن في حركة حماس مع تسهيل حياة أهلنا في غزة، وهم يتلهفون للعودة إلى بيوتهم المدمرة، وأرضهم خلف الخط الأصفر الإسرائيلي، نحن مع أبناء شعبنا، وهم يجوعون إلى الدفء مع وصول البيوت الجاهزة، وهم يتحرقون للوقود والكهرباء والطاقة التي حرم منها أهلنا على مدار سنتين، وهم يعانون في الأسواق والشوارع بحثاً عن العملة الفكة، التي غابت عن السوق، شعبنا بحاجة إلى الاستقرار والثبات فوق أرضه، والبدء في عملية الإعمار والبناء وإعادة مستحقات الحياة الآدمية.
بعد وقف إطلاق النار، صار الوصول للمرحلة الثانية هو الشغل الشاغل للشعب العربي الفلسطيني في غزة، وبغض النظر عن الانتماء الحزبي، فأهل غزة جميعهم ينتظر الانسحاب الإسرائيلي والبدء بإعمار غزة، البدء في الإعمار هو المؤشر على نجاح المرحلة القادمة، والتي ينتظرها المسؤولون عن العمل الحكومي، بشكل لا يقل لهفة وشوقاً من أهلنا في قطاع غزة، فحمل غزة ثقيل، والمسؤوليات جسام، لن يقوى تنظيم أو مؤسسة أو حتى دولة على تحملها، أحمال لا يشيلها إلا التعاون والتآخي والتوافق والمصداقية في العمل والعطاء والوفاء.
لتبقى قضية أكثر من 50 ألف موظف نقطة الفصل بين مصداقية عمل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة شؤون غزة، وبين أكذوبة القرار الوطني المستقل، ولاسيما أن هؤلاء الموظفين قد تحملوا مشقة العمل بدون رواتب لفترة طويلة، وأداروا الحياة الوظيفية لأهل غزة في أحلك الظروف، وتسلم معظمهم العمل الوظيفي ضمن إجراءات قانونية، ومسابقات وتنافس، ليصل الأكفأ إلى الوظيفة، دون الالتفات إلى الانتماء التنظيمي كما يقول المسؤولون.
وقد يكون الأهم والأخطر في هذا الموضوع، أن هؤلاء الموظفين ينفقون على مليون شخص من أفراد أسرهم، وهم نصف سكان قطاع غزة تقريباً، وأي خلل في هذا الإطار قد ينعكس على الاستقرار الأمني، ومواصلة الحياة الهادئة لأهل غزة.
ولنا نحن العرب الفلسطينيين تجربة في هذا المضمار، ففي سنة 1994، تسلمت السلطة الفلسطينية المسؤولية عن العمل الحكومي في غزة والضفة الغربية من الاحتلال الإسرائيلي، في تلك الفترة، لم يكن أمام السلطة الفلسطينية إلا أن تعترف بالمواقع الوظيفية التي كان يشغلها الموظفون في زمن الاحتلال، رغم موافقة المخابرات الإسرائيلية على الكثير من الترقيات والتعيينات، ومع ذلك، فقد استوعبت السلطة الفلسطينية كل أولئك الموظفين، وأبقتهم في مواقعهم الوظيفية، واستقدمت عليهم آلاف الموظفين الجدد.
موظفو الحكومة في غزة جزء من النسيج المجتمعي، وهم العمود الفقري للاستقرار، وهم مقياس التوافق الوطني، ودليل محبة وأخوة ومرحلة جديدة من حياة الأمن والأمان والاستقرار التي ينتظرها أهل قطاع غزة بعد سنتين من حرب الإبادة الجماعية.

