فلسطين أون لاين

خطوات مؤجلة على باب المعبر

تقرير الطفل سند أبو طير… أربع سنوات على حافة الشلل

...
الطفل سند أبو طير
خانيونس/ فاطمة العويني:

لا يركض سند أبو طير خلف أقرانه، ولا يعرف معنى اللعب دون تعثر. في الرابعة من عمره، باتت خطواته القليلة معركة يومية، وسؤاله الدائم لوالده يحمل ثقلًا أكبر من سنّه: “وقتيش بدي أمشي زي الأطفال التانيين؟”. سؤال يقف أمامه معبر مغلق، وجسد صغير ينهكه مرض لا يجد له علاجًا في غزة.

بدأت الحكاية مع خطواته الأولى. كان يمشي بشكل غير مألوف، يتعثر كثيرًا، ولا يتحسن مع مرور الوقت. دفعت هذه المشية الغريبة والده محمد أبو طير إلى عرضه على الأطباء، لتكشف الفحوصات، وقبل اندلاع الحرب، عن كتل ورمية (ورم ليفي على العصب) في فخذه، وفق ما أظهرته صور الرنين المغناطيسي.

يقول محمد أبو طير: “كلما كبر سند، ساء وضعه. أخبرني الأطباء أن التدخل الجراحي المطلوب حساس جدًا، وأن إمكانيات غزة لا تسمح بإجرائه، ونصحوني بالانتظار حتى قدوم وفود طبية من الخارج”.

لم يكن الانتظار خيارًا سهلًا. عرض الأب طفله على عدة وفود طبية زارت القطاع، لكن الإجابة كانت واحدة: العملية معقدة وخطِرة، وأي خطأ فيها قد يخلّف ضررًا دائمًا لا يمكن إصلاحه، ولا تتوفر في مستشفيات غزة التجهيزات اللازمة لإجرائها، ما يستدعي سفر الطفل للعلاج في الخارج.

وقبل أن تبدأ إجراءات السفر، جاءت الحرب الإسرائيلية على غزة، لتقلب كل شيء. نزوح متكرر، مستشفيات مستهدفة، ومنظومة صحية أعيدت إلى نقطة الصفر، فيما ظل سند ينتظر.

“كل يوم يسوء وضع ابني أكثر”، يقول الأب.

046285b5-4129-44d5-84ba-f65c448b44d7.jpg
 

“أصبح يعاني من إعاقة حركية واضحة في رجله اليمنى، يمشي عليها بصعوبة شديدة. الكتل الورمية تعيق نمو العصب، ما أدى إلى سقوط الرجل وعدم قدرته على التحكم بها”.

ورغم قناعته المسبقة بصعوبة العلاج داخل القطاع، لم يتوقف محمد عن طرق الأبواب.

“لم أترك طبيب عظام إلا وعرضت عليه حالة سند، رغم الخطر والنزوح وصعوبة الوصول، لكن الرد كان واحدًا: من المستحيل التعامل مع حالته في غزة، وأُقرت له تحويلة للسفر للعلاج بالخارج”.

إغلاق المعابر جعل هذه التحويلة حبرًا على ورق. فلا دواء يمكن أن يوقف تدهور الحالة، ولا علاج طبيعي يمكن أن يفيد دون تحرير العصب جراحيًا.

“بدون العملية، كل شيء بلا جدوى”، يقول الأب، “وأي تدخل جراحي خاطئ قد يعني إعاقة دائمة، ولا يوجد في غزة أطباء أعصاب مختصون قادرون على التعامل مع حالته”.

تتضاعف المعاناة مع النزوح وفقدان المنزل في عبسان الكبيرة، ليصبح المرض همًا إضافيًا في حياة الأسرة.

“نعيش في همّ مستمر، هم النزوح، وهم مرض سند، ونحن عاجزون عن مساعدته وهو يتألم”.

اليوم، لا يستطيع سند السير أكثر من خمسين مترًا دفعة واحدة. يتوقف، يتكئ، وينظر إلى والده بعينين ممتلئتين بالأسئلة.

“أقول له: بس يفتح المعبر يا بابا”، يروي محمد، “ولا أعرف إن كان هذا الوعد سينقذه أم سيظل مؤجلًا”.

يناشد محمد أبو طير المؤسسات الصحية والإنسانية الدولية التدخل العاجل لإنقاذ طفله، وتسريع إجلائه للعلاج في الخارج، قبل أن تتحول الإعاقة المؤقتة إلى شلل دائم.

في غزة، لا يُقاس عمر الأطفال بعدد سنواتهم، بل بعدد الأحلام المؤجلة. وسند أبو طير، ما زال ينتظر خطوة واحدة… خطوة نحو العلاج، ونحو طفولة تشبه غيرها.

المصدر / فلسطين أون لاين