فلسطين أون لاين

مسارات العدوان على القدس في 2026: من الأقصى إلى محاولات التهجير والتصفية

شهدت القدس المحتلة خلال عام 2025 تصعيدًا في الهجمة التهويديّة، طالت كل ما في المدينة من مقدساتٍ ومعالم وأحياء وسكان، فقد استطاعت أذرع الاحتلال تحقيق قفزات في العدوان على الأقصى، إن من خلال الوصول إلى أعلى عددٍ للمقتحمين منذ بداية اقتحامات الأقصى، وما شهدته هذه الاقتحامات من أداءٍ علني للطقوس اليهوديّة، وإدخال أدوات أداء هذه الطقوس، وصولًا إلى محاولات إدخال القرابين الحيوانيّة، وما يتصل بهذه الاعتداءات من أدوار في دعم هذه الاقتحامات من قبل المستويين الأمني والسياسي لدى الاحتلال.

أما على الصعيد الديموغرافي فتستمرّ محاولات الاحتلال لتهجير سكان عددٍ من الأحياء المقدسية، في سياق إحداث تغييرات ديموغرافية مباشرة في المدينة المحتلة، وهو ما يؤكده حجم المشاريع الاستيطانية التي أقرتها سلطات الاحتلال في عام 2025، وما يتصل بهذا الاستهداف من تصعيدٍ لهدم منازل الفلسطينيين، وحرمانهم من السكن، وسعي الاحتلال إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين، إن من خلال استهداف قطاعاتهم الحياتية، وفي مقدمتهم التعليم والاقتصاد، أو من خلال استهداف المؤسسات العاملة لدعم صمود المجتمع الفلسطيني، دولية كانت على غرار وكالة "الأونروا"، أو محلية على غرار مؤسسات المجتمع الأهلي الفلسطيني.

وأمام مساحة الاستهداف الكبيرة في القدس المحتلة، نحاول التركيز على ثلاثة مسارات مركزية، ستستمر سلطات الاحتلال باستهدافها خلال عام 2026، في ظل استمرار الحكومة اليمينية الحالية، وتركيز الصهيونية الدينية على استهداف المدينة ومقدساتها، إلى جانب استكمال أذرع الاحتلال ما حققته في العام الماضي، من قفزاتٍ في العدوان والتدنيس.

أولًا: مسار استهداف المسجد الأقصى

شهد المسجد الأقصى تصعيدًا غير مسبوق خلال حرب الإبادة على غزة، ففي عام 2025 استطاع الاحتلال تحقيق قفزات نوعية في حجم العدوان على المسجد، إذ يُشير تقرير لمنصة "القدس 360" إلى تجاوز عدد مقتحمي الأقصى إلى أكثر من 73,400 مستوطن، وهو الرقم الأعلى للاقتحامات منذ احتلال القدس عام 1967، وهو مؤشر خطير على قدرة أذرع الاحتلال الاستمرار في حشد المستوطنين للمشاركة في اقتحامات الأقصى، إلى جانب جذبهم المزيد منهم، واستمرار في زيادة أعداد مقتحمي الأقصى.

ويُشير هذا التقرير إلى تعزيز "منظمات المعبد" مسار "التأسيس المعنوي للمعبد" خلال أشهر عام 2025، من خلال تعزيز وفرض الطقوس التوراتية داخل المسجد الأقصى، إذ لم تخلُ أيٌّ من اقتحامات الأقصى من أداء الطقوس العلنية، بشكلٍ فرديّ أو جماعيّ، ولا سيما في ساحات الأقصى الشرقية، ما يُشير إلى تعامل المستوطنين مع هذه الساحات على أنها "كنيس" ولو بشكلٍ مضمر، وبحسب التقرير كرر المقتحمون أداء "السجود المحلمي" والنفخ في بوق "الشوفار"، واقتحام المسجد بالزي الكهنوتي، وأداء الصلوات التوراتية المختلفة، إضافةً إلى نجاح المستوطنين في إدخال ماعز إلى الأقصى، مرتين، في محاولة لفرض القربان الحيواني في المسجد، لكن المحاولتين أحبطتا قبل إتمامهما.

وأمام هذه الوقائع الخطيرة، *ستشهد أشهر عام 2026، مزيدًا من الانتهاكات بحق المسجد ومكوناته البشرية، ومع تثبيت أداء الطقوس اليهوديّة العلنية، ستسعى أذرع الاحتلال إلى رفع عديد المشاركين فيها، والمضي قدمًا نحو إدخال المزيد من الأدوات المستخدمة في أداء الطقوس*، وخاصة لفائف التوراة، حيث شهدت العديد من اقتحامات الأقصى محاولاتٍ لإدخالها في الأعوام الماضية، وصولًا إلى تحقيق أبرز الطقوس في الأقصى وهي تقديم القرابين الحيوانية، ومن الواضح أن منظمات الاحتلال المتطرفة ستركز جهودها على تحقيق هذا التدنيس بالتزامن مع الأعياد اليهودية وخاصة عيد "الفصح".

وأمام مروحة الاعتداءات، وما استطاع الاحتلال تحقيقه لا شك بأن الاحتلال سيستمر بحشد جهود مختلف المستويات السياسية والأمنية والقانونية الرسمية في سياق تصعيد العدوان على الأقصى، وفي سياق الحديث على المستوى الأمني، وفي ظلّ ما قامت به قوات الاحتلال بالتزامن مع حرب الإبادة، ومع التغييرات التي جرت بتعيين قائد جديد للشرطة مقرب من بن غفير، ستعمل أذرع الاحتلال الأمنية إلى إظهار "السيادة" الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وتخطو نحو المزيد من فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد، وهي خطوة تؤدي فيها "منظمات المعبد" دورًا أساسيًا، إذ سترفع سقف مطالبها الرامية إلى فرض المزيد من التحكم بالأقصى وأبوابه، ومحاولة تحويل بعض هذه المطالب إلى حقائق على أرض الواقع، وهي خطوات تأتي بالتوازي مع رفع حدة اقتحامات الأقصى في مختلف أيام العام، وفي الأعياد اليهودية التي تتزامن مع أعياد إسلامية على وجه الخصوص.

وبالتوازي مع فرض الوجود اليهودي في المسجد، ستصعد سلطات الاحتلال استهدافها لدائرة الأوقاف الإسلامية، وتعمل على تحجيم دورها في القدس أكثر وأكثر، ضمن محاولات الاحتلال إنهاء الوصاية الأردنية على المسجد، أو دفعها نحو مزيدٍ من التراجع، عبر استهداف حراس المسجد، وعرقلة مشاريع العمارة والترميم. ومع ما يجري داخل الأقصى من اعتداءات، لن تتوقف محاولات الاحتلال إحداث تغييرات مباشرة في محيط المسجد الأقصى، إذ ستستمر محاولاته للسيطرة على مقبرتي الرحمة واليوسفية، وتحويل أجزاءٍ منهما إلى حدائق توراتية، تمكنه من إحاطة المسجد بحزام يهودي، يفصلها عن عمقها العربي والإسلامي، وما يتصل بالحفريات أسفل المسجد الأقصى ومحيطه.

مسار تهجير الأحياء الفلسطينية

يشكل الوجود المقدسي عقبة كؤود أمام مخططات الاحتلال تغيير ديموغرافية المدينة المحتلة، وهو وجود يتمسك بحقه ويدافع عنه حتى الرمق الأخير، وقد شهد عام 2025 استمرارًا في استهداف الوجود الفلسطيني، من خلال هدم منازل الفلسطينيين ومنشآتهم، فبحسب مركز معلومات وادي حلوة هدمت سلطات الاحتلال نحو 240 منشأة فلسطينية في المدينة المحتلة، وبالتوازي مع هدم المنازل تتصاعد عطاءات الاحتلال الاستيطانية، فقد كشف تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن "اللجان التخطيطية" لسلطات الاحتلال درست 107 مخططات هيكلية، 41 مخططا خارج حدود بلدية الاحتلال في القدس، و66 في مستوطنات داخل الحدود التي رسمتها البلدية لمدينة القدس.

وأمام هذا الواقع الديموغرافي المتشظي، ومحاولات الاحتلال إحداث تغييرات مباشرة في الميزان الديموغرافي للمقدسيين، سيشهد عام 2026 مزيدًا من استهداف الفلسطينيين، في سياق سعي الاحتلال إلى دفعهم للخروج خارج القدس، ومن المتوقع أن تقوم أذرع الاحتلال بما يأتي:

• استهداف المزيد من منازل الفلسطينيين، إن كان في حي الشيخ جراح، أو في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، في محاولة مباشرة لتهجيرهم، في محاولة لفتح المزيد من القضايا وتشتيت الجهود القانونية والشعبية لمواجهة أطماع الاحتلال.

• تصعيد الإجراءات العقابية بحق الأهالي الفلسطينيين، ردًا على تمسكهم بمنازلهم، وخاصة ما يتصل بحياتهم اليومية.

• استمرار محاولات الاحتلال السيطرة على أراضٍ وعقارات في الأحياء الفلسطينية، مستفيدًا من مروحة منوعة من القوانين التي تطبقها سلطات الاحتلال، وهو ما سيسمح للاحتلال بأن يوسع وجوده الاستيطاني في الأحياء الفلسطينية، وإنشاء بؤر استيطانية جديدة.

• في ظل ما قامت به أذرع الاحتلال في غزة والضفة، من إبادة وتهجير قسريّ، لم تعد فكرة التهجير الجماعي للفلسطينيين من أحيائهم بعيدةً عن التطبيق، وهو ما يُمكن أن تقوم به أذرع الاحتلال في عددٍ من أحياء القدس المحتلة.
 

تصعيد استهداف القطاعات في القدس المحتلة

تستهدف سلطات الاحتلال كل القطاعات التي تتصل بحياة المقدسيين وسبل عيشهم، فتعمل على استهداف الهوية الفلسطينية عبر التعليم، وتسعى إلى فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس الفلسطينية في المدينة، وإضعاف المدارس الوقفية وتلك التي تدرس المنهاج الفلسطيني، وتعمل على فرض سيطرتها المباشرة على مدارس بأشكالٍ عدة، لتصل إلى المرحلة التي تسطير فيها على المدارس في المدينة المحتلة بشكلٍ كامل، وما لهذه التدخلات ابتداءً، والسيطرة انتهاءً من آثارٍ كارثية على الأجيال الناشئة في المدينة المحتلة، وقد بدأ التصعيد مع إنهاء وجود وكالة "الأونروا" في القدس المحتلة، وإغلاق المدارس التابعة لها بالقوة، وتحويل الطلاب في هذه المدارس إلى مدارس أخرى، وما يتصل باستهداف المدارس الفلسطينية الأخرى، وخاصة تلك التي ترفض تدريس منهاج الاحتلال أو المنهاج المحرّف.

وبالتوازي مع استهداف قطاع التعليم، يجري استهداف القطاع الصحي، من خلال ربط الفلسطينيين بالمنظومة الصحية الإسرائيلية، وفرض المزيد من التضييق على المؤسسات الصحية الفلسطينية إن كانت مستشفيات أو مستوصفات، وكلها تتعرض للاقتحام المتكرر وتدمير المحتويات ومصادرة الأجهزة، وهو جزء إلى إنهاء وجود "الأونروا" بشكلٍ كامل، وهو ما أثر على عددٍ من المدارس التي تديرها الوكالة، إلى جانب المستوصفات والعيادات الطبية كذلك.

وستقوم أذرع الاحتلال المختلفة وعلى رأسها بلديته في المدينة المحتلة، بفرض المزيد من الإجراءات والعقوبات بحق المقدسيين وحرمانهم من تطوير أحيائهم ومصالحهم، بهدف دفعهم إلى الهجرة خارج أسوار مدينة القدس؛ ومواصلة سياسة تجريد المقدسيين من هوياتهم وتقييد إقامتهم وإبعادهم عن المدينة، والعمل على سن المزيد من القوانين العنصرية التطهيرية بحقهم.

المصدر / فلسطين أون لاين