تقف آلاف الأمهات في غزة عاجزات أمام سؤال يردده أطفالهن مع اقتراب العيد: "ماما… بدنا ملابس للعيد"، في وقتٍ تعاني فيه العائلات من أوضاع اقتصادية وإنسانية قاسية نتيجة الحرب، ما جعل شراء كسوة العيد أمرًا شبه مستحيل لكثيرين.
وينتظر آلاف الأطفال في قطاع غزة ملابس العيد التي اعتادوا ارتداءها كل عام، لكن الحرب المستمرة وارتفاع الأسعار وغياب مصادر الدخل حرمت كثيرًا من العائلات من تلبية هذا الطلب البسيط، لتتحول فرحة العيد إلى انتظارٍ مؤلم في خيام النزوح وبيوت مدمرة.
في خيمة نزوح تقيم فيها جنوب القطاع، تفتح هالة كحيل (37 عامًا) هاتفها المحمول مرات عدة يوميًا، بانتظار رسالة لم تصل بعد؛ قسيمة شرائية لكسوة العيد من إحدى الجمعيات الخيرية لأطفالها الأربعة.
طالع المزيد: أيتام غزة قبيل العيد.. قلوب تبحث عن آباء غيبتهم الحرب
وتقول هالة إن انتظار تلك الرسالة أصبح جزءًا من يومها، لكنها حتى اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان لم تتلقَّ شيئًا.
وتضيف بصوتٍ مثقل بالحزن لصحيفة "فلسطين": "كل يوم أفتح الهاتف يمكن تكون وصلت رسالة قسيمة لأولادي… الأطفال يسألونني باستمرار: ماما اشتريلنا للعيد، وهذا الطلب يوجع قلبي".

فقدت هالة منزلها خلال الحرب، ولم تتمكن العائلة من إخراج أي من ملابسها أو مقتنياتها، لتجد نفسها اليوم عاجزة عن شراء ملابس جديدة لأطفالها.
وتوضح: "هذا العيد الخامس الذي يمر علينا دون أن نشتري ملابس جديدة. نفسي أشوف أولادي لابسين جديد".
وتعتمد العائلة غالبًا على الملابس التي يقدمها الأقارب أو المتبرعون، وغالبًا ما تكون مستعملة، بما في ذلك الأحذية.
صدمة الأسعار
حاولت هالة جمع مبلغ بسيط تبرع به أحد المحسنين والتوجه إلى السوق لشراء قطعة ملابس لكل طفل، لكن الأسعار المرتفعة بددت تلك المحاولة.
طالع المزيد: أسواق الضفة قبيل العيد... موسم باهت وخسارات تجارية غير مسبوقة
وتقول: "قبل الحرب كنت أشتري البلوزة والبنطال معًا بخمسين شيقلاً من نوعية جيدة، أما اليوم فالبنطال وحده قد يصل إلى مئة شيقل".
وتضيف: "حتى أشتري كسوة بسيطة لأطفالي الأربعة أحتاج إلى نحو 700 شيقل، وهذا مبلغ مستحيل بالنسبة لي".
بعد جولة قصيرة في السوق، عادت هالة إلى خيمتها دون شراء أي شيء.
وتوضح: "لو اشتريت لطفلة واحدة فقط ستغضب أخواتها ويبكين، لذلك فضّلت أن أعود دون شراء شيء".
أطفال بلا كسوة
في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، تعيش عائشة الأفغاني (40 عامًا) تجربة مشابهة مع أطفالها الستة.
تقول عائشة إن أطفالها بدأوا منذ أيام يسألونها عن ملابس العيد، لكنها لا تملك إجابة تطمئنهم.
وتضيف: "كل سنة كنت أوفر القليل لأفرحهم بلبس العيد، لكن هذا العام لا يوجد شيء".
وتشير إلى أن العائلة بالكاد تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية.
وتتابع: "حتى الطعام أصبح نحسبه باليوم… فكيف يمكن أن نشتري ملابس جديدة؟".
بين الطعام والكسوة
أما محمد اسليم (43 عامًا) من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، فيقول إن همّه الأول بات توفير الطعام لأطفاله، في ظل شح الخضروات وارتفاع أسعارها، بينما أصبحت اللحوم والدواجن نادرة في الأسواق.
ويقول: "اليوم الغزي محتار بين نارين؛ إما أن يوفر المال للطعام، خصوصًا للأطفال الصائمين في رمضان، أو يشتري كسوة العيد".
قبل الحرب، اعتاد اسليم شراء ملابس جديدة لأطفاله في كل عيد، كما يقول، "حتى يشعروا بالفرحة مثل بقية الأطفال".
لكن هذا العام لم يجد أمامه سوى التوجه إلى محال بيع الملابس المستعملة "البالة"، حيث اشترى لبناته بلوزتين ولولديه قميصين.
ويشير إلى أن أسعار الملابس المستعملة ارتفعت أيضًا، مضيفًا: "قبل الحرب كنت أشتري القطعة بشيقل أو شيقلين، أما اليوم فقد يصل سعرها إلى عشرين شيقلاً أو أكثر، لكنها تبقى أفضل من لا شيء".
أمل مؤجل
ورغم الظروف القاسية، يواصل اسليم ترديد وعده لأطفاله كما يفعل كثير من الآباء في غزة: "العيد القادم سيكون أفضل".
لكن مع استمرار الحرب وارتفاع الأسعار وشح الموارد، يبقى هذا الوعد بالنسبة لكثير من العائلات أملًا مؤجلًا، فيما ينتظر أطفال غزة عيدًا قد يأتي هذا العام بلا ملابس جديدة.

