تقرير مشهد "سوق اللحامين" خاليًا يؤلم قلوب أصحاب المحال التجارية بالقدس

...
"سوق اللحامين" أحد أسواق مدينة القدس
القدس المحتلة/ غزة – فاطمة الزهراء العويني:

مشهد "سوق اللحامين" خالياً من المارة والمتسوقين يؤلم قلب خالد الكرد الذي يوجد فيه منذ أربعين عاماً خلت، فكلما سرح في مخيلته وقارن وضع السوق بين الماضي والحاضر يُصاب بالإحباط، لكن عشقه لهذا المكان الذي ترعرع فيه يحول دون تركه له مهما تعقدت الظروف المحيطة.

فسوق اللحامين هو أحد أسواق البلدة القديمة بالقدس المحتلة، ويُعد جزءاً مما يُسمى "السوق الثلاثي" الذي يشمل: "سوق اللحامين"، و"سوق العطارين"، و"سوق الخواجات"، وسمي بهذا الاسم لكثرة وجود محلات بيع اللحوم الطازجة والأسماك.

كان "سوق اللحامين" قديماً يعج بتجار اللحوم والمشترين؛ أما اليوم فلم يعد يحمل سوى الاسم ولا علاقة له باللحوم، بسبب الوضع الاقتصادي المتردي الذي فرضته سياسات الاحتلال الإسرائيلي على التجار فيه.

فالحاج الكرد شاهدٌ على التدهور الكبير الحاصل في السوق الذي كانت لا تنقطع الحركة فيه منذ الصباح وحتى ساعات متأخرة من المساء، لكن اليوم فمعظم "حوانيته" الأثرية أصبحت مغلقة بعدما لم يطق ملاكها "غول الضرائب الإسرائيلية" التي لا تنتهي.

فما يرهق كاهل تجار السوق ليس بقليل، فمن جهة "ضرائب إسرائيلية باهظة" ومن جهة أخرى "صعوبة توصيل اللحوم الطازجة للسوق" لبُعد المسالخ عن السوق، فتصل اللحوم بعد يومين أو ثلاثة، فلا تعتبر بنظر المستهلك طازجة وهو ما يزيد العزوف عن السوق.

وترفع تلك الضرائب الإسرائيلية الباهظة من سعر المنتج المباع للمواطن؛ ما يجعله يعزف عن الشراء من السوق ويلجأ إلى أسواق شعفاط والعيزرية التي لا تفرض عليها سلطات الاحتلال الضرائب ذاتها فيكون سعر المنتج أقل بكثير!

نصارع للبقاء

والتكلفة الباهظة هي ما تمنع هؤلاء التجار من تطوير عملهم وإضافة خدمات كالتوصيل لباب المنزل، كما أن العمال الفلسطينيين يفضلون العمل داخل الأراضي المحتلة حيث يأخذون يومية أكبر تصل لـ400 شيقل، كما أنهم يحوزون تأمينا صحيا وإجازات وغيرها من المميزات، في حين تصل يوميته في "سوق اللحامين" لـ200 شيقل فقط.

ويقول الكرد إن تجار السوق بالكاد يؤمنون لقمة عيش أسرهم ويصارعون على البقاء في ظل ملاحقة بلدية الاحتلال لهم، "ندفع 400 شيقل أرنونا شهريا بجانب تكاليف الماء والكهرباء وغيرها من التكاليف الأساسية".

يشعر الكرد بالحزن كلما دخل السوق ورأى أنه لم يعد هناك سوى اثني عشر محلاً من أصل خمسة وثمانين ما زالت تعمل، "أفتقد جيراني في السوق الذين ترعرعتُ معهم، وأشعر بالحزن لكون 500 عائلة تقريباً فقدت مصدر دخلها بهذا الإغلاق".

لكن ما يجعل الكرد متمسكاً بالبقاء في السوق هو "هواء المسجد الأقصى" الذي يتنسمه كلما حطت قدماه فيه، "كل يوم آتي هنا أحتسي القهوة مع مَنْ تبقى من التجار، مصمم على التمسك به مهما كانت العقبات".

ويشير إلى أنه تلقى عروضاً مغرية من الاحتلال الإسرائيلي و"شيكات مفتوحة"، "عرضوا عليّ إقامة في أي بلد أوروبي أختاره وأن أحدد أي مبلغ أريده مهما كان باهظاً مقابل التخلي عن المحل لكنني رفضتُ وبشدة، حتى ولو أم أحصِّل أي دخل مادي فلن أترك محلاً في قلب القدس القديمة مهما كان الثمن".

وصية

أما الحاج ضاهر الشرباتي (67 عاماً) من سكان البلدة القديمة، فبين أنه اضطر لإغلاق محله التجاري في السوق نتيجة لضرائب الاحتلال الباهظة على محله، لكنه بالرغم من ذلك لا يبرح السوق ليوم واحد، "أشعر بالحياة فقط لمجرد مروري منه".

ويضيف: "السوق كان المكان الوحيد المعتمد في البلدة القديمة لبيع الخضار، والفواكه، والدواجن، واللحوم، فقد أسس والدي (رحمه الله) محلنا عام 1960، وفي عام 1974 بدأت العمل في داخله، كانت أياماً جميلة".

وأضاف: "مدينة القدس تتعرض لانتهاكات متصاعدة وإجراءات صعبة من قبل الاحتلال، من رفع الضرائب على المحلات، ولم أستطع عام 1995م استكمال العمل فيه، واضطررت لترك المحل وإغلاقه.

ويغالب الحاج الشرباتي دمعه، قائلاً: "تركت وصيتي لأبنائي وعائلتي عند وفاتي، بأن تمر جنازتي من داخل سوق اللحامين باتجاه المسجد الأقصى المبارك".

فتجار "سوق اللحامين" عانوا من سياسات الاحتلال التي أدت إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمادي؛ فقد أغلق الاحتلال أكثر من 50% من المحلات التجارية فيها، من خلال إقامة جدار الفصل العنصري؛ وفرض ضريبة الأرنونا والعديد من الضرائب الباهظة على أصحاب المحلات؛ فتراكمت عليهم الديون؛ فضلا عن تهديد بلدية الاحتلال الدائم بقطع الكهرباء، وغير ذلك من سياسات الاحتلال الرامية إلى تهجير السكان وتهويد المدينة.