تقرير تداعيات جريمة قتل "بنات" تتفاعل وسط محاولات من السلطة لاحتوائها

...
الناشط السياسي نزار بنات ( أرشيف)
الخليل- غزة/ فاطمة الزهراء العويني- الأناضول:

تشهد الأراضي الفلسطينية وتحديدًا الضفة الغربية، حيث وقعت جريمة اغتيال الناشط السياسي نزار بنات، توترًا متزايدًا ألقى بظلاله على الشارع وسط محاولات من السلطة وحكومتها برام الله لاحتواء تداعيات الجريمة عبر إعلان تشكيل ما تسمى لجنة تحقيق حكومية، أعلنت عائلة المغدور رفضها أيَّ نتائج وتوصيات تخرج عنها.

ويحظى "بنات" بشهرة واسعة في الشارع الفلسطيني، لجرأته وانتقاده الحاد لقيادة السلطة وفسادها، وسبق أن اعتقلته أجهزة الأمن عدة مرات، وكان مرشحا في قائمة "الحرية والكرامة" المستقلة لخوض انتخابات المجلس التشريعي، التي كانت مقررة يوم 22 مايو/ أيار الماضي، قبل صدور مرسوم رئاسي (في 30 أبريل/ نيسان الفائت) بتعطيلها.

أحدث ارتدادات القضية هو إعلان عائلة المغدور بنات، أن حكومة رام الله برئاسة محمد اشتية، تعد طرفا في عملية اغتيال ابنها فجر الخميس الماضي، رافضة نتائج وقرارات ما تسمى "لجنة التحقيق" التي أعلنها وزير العدل محمد الشلالدة.

وجاء ذلك بعد إعلان حازم الأشهب، طبيب عائلة بنات عبر حسابه على فيسبوك، انسحابه من لجنة التحقيق الرسمية في الحادثة، ليلتحق بـ "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" (حكومية، تتمتع باستقلالية في العمل) التي اعتذرت عن المشاركة من البداية.

كما أعلنت نقابة المحامين الفلسطينيين، اعتذارها عن المشاركة "انسجاما مع موقفها المعلن والسابق بضرورة تشكيل لجنة حيادية ومستقلة وفورية".

ووصلت ارتدادات الحادثة إلى حكومة اشتية، حيث أعلن حزب الشعب الفلسطيني ذو التوجهات اليسارية، الأحد، استقالة ممثله وزير العمل نصري أبو جيش.

هذه التطورات تأتي في ظل مظاهرات تشهدها الأراضي الفلسطينية تنديدا بـاغتيال بنات، تعرض فيها صحفيون للتنكيل والتهديد على أيدي أفراد أمن السلطة، وهي تصرفات أدانتها مؤسسات حقوقية.

تجاوز للخطوط الحمراء

وقالت المرشحة عن قائمة "القدس موعدنا" فادية البرغوثي: إن الاغتيال البشع للمرشح بنات "هو تجاوز للخطوط الحمراء، مع خصوصية وضع الشهيد، لكونه مدافعًا عن حقه وحق كل إنسان فلسطيني في العيش بكرامة وحرية بطريقة سلمية".

وأضافت البرغوثي في تصريح صحفي: "كل رسالة نزار كانت محاربة الفساد بالكلمة، فأن يَرِد بقتله هو أسلوب كنا نظن أنه مقتصر على الاحتلال، ولم نتوقع أن تمارسه السلطة وأجهزتها الأمنية ضد شعبها".

وأكدت البرغوثي أن ما حدث مع بنات "لن يخيف الشعب الفلسطيني الحر الذي لم يرضخ للاحتلال ولن يتوقف عن المطالبة بحقوقه"، وأن إلغاء الانتخابات لن يمنع المرشحين من مواصلة المطالبة بحقوق الإنسان الفلسطيني".

وأضافت أن "بنات انتهج الخط الديمقراطي السليم الذي ينتهجه كل أحرار العالم، وحاول إيصال صوته ورسالته بالانتخابات عبر صناديق الاقتراع، وحُرِمَها بإلغاء العملية الانتخابية، ثم حُرِم الحياةَ بقتله".

وأشارت إلى أن تعطيل الانتخابات كان مدخلًا لحرمان شعب كامل حقه في اختيار ممثليه وإيجاد سلطة تشريعية تحاسب وتراقب ما يحدث في الضفة الغربية.

وأردفت: "فكان هذا أول قرارات القمع للشعب وإرادته، ثم قتل المرشحين، ومعاقبة الشعب الذي استنكر هذه الجريمة، ومحاولة استهداف كل من يرفع صوته برفضها".

وتحدثت البرغوثي عن تنسيق بين القوائم الانتخابية للاستمرار في المطالبة بحق نزار بنات قانونيًّا، وعبر الخطوات الاحتجاجية، وصولًا لكشف قتلته ومحاكمتهم.

مساءلة ومحاسبة

وفي قطاع غزة، دعا تجمع المؤسسات الحقوقية "حرية" إلى مساءلة مرتكبي جريمة تعذيب وقتل الناشط بنات جزائيًا وإداريًا ومدنيًا، بحيث يُحال المنفذون والمشاركون والموجّهون إلى القضاء مع إقالتهم من وظائفهم وضمان حقوق أسرة الضحية المدنية.

وشجب التجمع، خلال مؤتمر صحفي أمام مقر المفوض السامي لحقوق الإنسان بغزة، أمس، اعتداء أفراد من الأجهزة الأمنية بالزي الرسمي والمدني على المشاركين في التجمعات السلمية التي خرجت في الأيام الماضية تنديدًا باغتيالها الناشط بنات.

وبينت عضو التجمع أميرة خلف، خلال المؤتمر أن التجمع رصد مجموعة من الانتهاكات الجسيمة التي تمثلت بضرب المتظاهرين بالهراوات والحجارة، وأعقاب البنادق والسحل على الأرض وإطلاق قنابل الغاز بكثافة تجاههم.

وأشارت إلى أن تلك الاعتداءات طالت الصحفيين والحقوقيين والعاملين في المؤسسات الحقوقية، قائلة:" ننظر بقلق شديد لتعرض الأجهزة الأمنية لناشطي حقوق الإنسان والصحافيين والمشاركين في تلك التظاهرات"، مستنكرة بشدة استمرار وتصاعد محاولات فض التجمعات السلمية المنددة بقتل بنات بالقوة.

وأكدت أن الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي مكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الأساسي الفلسطيني، لا سيما القانون رقم (12) لسنة 1998م بشأن الاجتماعات العامة الذي وفر حماية خاصة وتدابير تضمن حق المواطنين في تنظيمها.

وطالبت السلطةَ بالإفراج الفوري عن المعتقلين، وأن تفتح النيابةُ العامة بالضفة تحقيقًا جديًّا في مجمل هذه الأحداث والإجراءات التي اتبعتها الأجهزة الأمنية في معرض تعاملها مع المشاركين في تلك التظاهرات وتقديم مَنْ يثبت تجاوزه للقانون للعدالة.

كما دعت النيابة إلى اتخاذ التدابير اللازمة والكفيلة بعدم التعرض للاجتماعات العامة وتسهيل عقدها وتوفير الحماية لها، وامتناع توقيف أي شخص خارج نطاق محددات القانون وإشاعة الحريات العامة وتعزيزها.

ونادت بضرورة الإسراع في إجراء الانتخابات، لكونها المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة بما يكفل المشاركة السياسية وإعادة الاعتبار لمؤسسات النظام السياسي، قائلًا:" فالانتخابات تعزز قيم ومبادئ الحكم الرشيد وصيانة واحترام مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات".

وعقب الاجتماع قدم تجمع المؤسسات الحقوقية إحاطة للمفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن اعتداءات الأجهزة الأمنية في السلطة على المتظاهرين المنددين بتصفية "بنات" تدعوه فيها لاتخاذ موقف عاجل والحديث مع قيادة السلطة لوقف تلك الانتهاكات والاعتداءات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع التعرض لها.

محاولات لاحتواء الأزمة

وفي ظل التجاذبات الحادة في الميدان، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي يقول عصام أبو بكر، منسق القوى الوطنية والإسلامية بمدينة رام الله: إن "المطلوب هو الذهاب باتجاه عقلنة الأمور، وعدم الانجرار لمربعات لا يريدها الشعب الفلسطيني".

ويضيف للأناضول، أن المطوب أيضا "تجاوز الحالة الراهنة وحالة الاحتقان الداخلي والاصطفافات التي تسعى لخلق حالة فوضى في الأراضي الفلسطينية، الرابح فيها الاحتلال".

ويكشف عن تحرك للقوى الوطنية والإسلامية لتطويق الأزمة، مضيفا أنها "تعمل في كل الاتجاهات لامتصاص فتيل الأزمة الداخلية وضمان اتخاذ تدابير وإجراءات محددة من قبل المستوى السياسي والحكومة والأجهزة الأمنية لامتصاص غضب الشارع".

ويشير إلى عدة لقاءات ومشاورات جرت وتجري مع مختلف الأطراف والمكونات "لتشكيل جبهة شعبية وطنية لحماية السلم الأهلي، ووقف العبث بكل الوضع الداخلي الفلسطيني".

وينبه أبو بكر إلى أن "التجمع السلمي مكفول وحرية الرأي مكفولة، وعلى الجهات الرسمية المختصة العمل على احترام مبدأ سيادة القانون ووقف أي تعديات عليه".

من جهته يقول أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة بمدينة بيت لحم (جنوب)، للأناضول: إن المطلوب تحرك سريع "للعقلاء والحكماء على أرضية عدم الإقصاء"، لمعالجة الأزمة الراهنة.

ويضيف أن "الجميع يدين حادثة قتل نزار بنات، بمن فيهم قيادات وكوادر حركة فتح"، معتبرا أنه "لا يجوز استخدام قضية نزار للخروج بشعارات غير موضوعية وتعزز الانقسام (بين الضفة وغزة، المستمر منذ 2007)".

ويشدد على الدور المركزي "لقيادات وحكماء حركتي فتح وحماس في الحد من التوتر والخروج من الأزمة، وإقامة حكومة وحدة وطنية بأسرع وقت ممكن".

ولا يستبعد العويوي "وجود أيدٍ خفية تريد العبث بالشارع الفلسطيني والفوضى"، محذرا من أن الأمور "تتجه نحو الأسوأ إذا لم يتدخل العقلاء والحكماء".

ويرى الأكاديمي أن المسؤولية تقع على وزير العدل "في إصدار تقرير شفاف ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة لامتصاص غضب الشارع".

ويؤكد أن المطلوب أيضا "اعتبار نزار شهيدا، وجبر خاطر العائلة وكرامتها وتبني أسرته لتعيش حياة كريمة".

والأحد، أطلق أسرى محررون من مختلف الفصائل، بمدينة رام الله، مبادرة تتضمن المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في وفاة "بنات"، يرأسها قاضٍ سابق، وعضوية ممثلين عن مؤسسة الحق (غير حكومية) والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وممثل عن عائلة "بنات"، على أن تسهل السلطة الفلسطينية عملها.

وفي مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، الاثنين، قال اشتية: إن لجنة التحقيق في وفاة "بنات" ستقوم بعملها "بكل شفافية"، متعهدا "بإحالة من يثبت تورطه في الحادثة إلى القضاء"، كما قال.

المصدر / فلسطين أون لاين