فلسطين أون لاين

المسير نحو "مشفى الولادة" تغيّر إلى المقبرة

تقرير جمال هلال .. فرحة تحولت لجنازة وداع لـ "شريكة الروح" وأطفالها

...
جمال هلال .. فرحة تحولت لجنازة وداع لـ "شريكة الروح" وأطفالها
غزة/ يحيى اليعقوبي:

كلَّ صباح، يغادر جمال هلال (37 عاما) مستشفى غزة الأوروبي شرق محافظة رفح جنوب قطاع غزة متجها نحو مقبرة "تلك السلطان" غرب المدينة، يقفُ أمام قبر جماعي يضم زوجته وجنينهما "حسن" وأطفالهم "محمد وأحمد وعلي"، يقرأ الفاتحة وآيات من كتاب الله، يتدثر بدفء ذكريات جميلة أصبحت من الماضي، يراجع تفاصيل حياتهم، تكويه نيران الفقد التي تتأجج، يعانق أرواحهم.

بعد وقت يغادر جمال القبر الجماعي، الذي اتسع لدفن زوجته "أماني" وأطفاله وجنينهم الذي كان على وشك الوصول إلى الدنيا في آخر الساعات، فكانت العائلة تتجهز لاستقبال فرحة تنير حياتهم وتنسيهم مرارة الحرب وقسوتهم مع صوت مناغاة الوافد الجديد الذي شارف على الوصول.

في لحظة تجهز جمال وزوجته للتوجه نحو مشفى الولادة تغير المسار نحو المقبرة فدلا من استقبال فرحة فتح قلبه على أربعة جروح، فدفن الجنين "حسن" قبل أن يطلق صرخة الحياة، يُصلى عليه صلاة الجنازة قبل أن يؤذن له آذان الميلاد، وتصدر شهادة الوفاة قبل الميلاد بتناقضات عجيبة تقهر  القلب يسبق فيها الموت الحياة.

فرحة تبدلت

مساء الخميس 12 أكتوبر/ تشرين أول 2023، جهز جمال وزوجته الحامل في شهرها التاسع حقيبة مولود جنينهم "حسن" تغمرهم سعادة تغلف حياتهم، خططا أن يذهبا للمشفى صباح الجمعة، "قمنا لصلاة الفجر وقرأنا القرآن، وعدت للنوم بينما جلست زوجتي لمتابعة الأخبار بهاتفها" هذا آخر ما تحتفظ به ذاكرته، وبعد أسبوع من المكوث على أسرة العناية المركزة في حالة "غيبوبة" يعاني آلاما في سمعه بصره وكسورا في الجمجمة، أخبره الأطباء أنه حدث قصف إسرائيلي لمنزله.

"أين زوجتي وأطفالي، وكيف هم!؟" بدأ الأطباء بتمهيد الصدمة عندما تفتحت عيناه على حياة جديدة كان هو الناجي الوحيد فيها من المجزرة، فأخبروه أن زوجته وأطفاله مصابين والوضع أفضل.

 تدرج الخبر وأضيقّتْ حلقاته ليضع له الأطباء النقطة الأخيرة في بحثه عن مصير عائلته،  فقالوا له "زوجتك استشهد"، لم تكن مجرد خبر أو كلمتين بل إعلان نهاية أسرة سعيدة وأحلام غمرتهم، في لحظة تدفقت دموعه من أعماق قلبه، وزاد وجعه بإخباره استشهاد أطفاله الثلاثة فكان وقع الخبر الذي هبط على قلبه دفعة واحدة ثقيلاً، تجرع تلك الصدمة بقلبٍ مكسور وعينين دامعتين وجسد مليء بالإصابات.

لغاية الآن لم يجد جمال الذي يعمل مهندسا مدنيا ويسكن بمحافظة رفح، إجابة عن سبب استهداف منزله، ولا يحتاج إجابة أمام محتلٍ ارتكب أكثر من 3 آلاف مجزرة راح ضحيتها أكثر من 33 ألف شهيدٍ، أسقطت المنازل على رؤوس أصحابها وساكنيها، لم يرحم طفلاً أو امرأة ولا شيخا أو مسنة، حوّل فيه الملابس لمقابر جماعية.

شريكة الروح

في مراجعته لتفاصيل حياته وهو يقف أمام القبر بملامح يكسرها الفقد، بعينين محمرتين، يصف زوجته التي ارتبط بها قبل 15 عاما،  بأنها "الشريكة والسند وصاحبة القلب الطيب" التي عاشت معه "كتفا بكتف وروحا لروح" تحملت معه مرَّ الأيام وحلوها حتى أضاءت له الدنيا بثلاثة أقمار، وكان البيت على وشك التوهج بقمر رابع.

ابنه البكر محمد (12 عاما) وفرحته الأولى التي منحته لذة طعم الأبوة، كان ذكيًا وطموحًا يحب الألوان والرسم وتشع حياته بالأمل والطموح، يصفه بأنه "موسوعة علمية وثقافية ودينية" رغم صغر سنه، ويردف بغصة فقد أثقلت صوته "كان يتحفني بالمعلومات الجديدة، محبا للزراعة وتربية الطيور، ويحب التجارب العلمية، كان نور عيني ونبض قلبي، كنت يا ولدي طبيب المستقبل ولم تكن عاديًا".

أما ابنه الأوسط أحمد (11 عاما) فكان رفيقه وصديقه، اتسم بالهدوء والتميز في دراسته، يجيد التحدث باللغة الإنجليزية ويحب الرياضيات وكان طموحه أن يكون مدرس رياضيات مثل أمه، مولعا بألعاب الحاسوب وبكرة القدم، يحب مشاهدة المباريات المحلية في غزة والمباريات العالمية عبر شاشات التلفاز.

لم يكن ابنه الأصغر علي (9 أعوام) يقل عن أخوته في التميز وحب الحياة والانغماس فيها، يلقبه والده "ضحكة القلب" أينما حل سبقته ابتسامته وضحكته، وفاكهة البيت، متميزا في دراسته وعلم المسابقات، طمح أن يصبح طبيب عظام تشبها بخاله، وكان لاعبا متميزا في لعبة كرة القدم.

يداهم جرح الفقد صوته وهو يقف أمام القبر "خرجوا جميعًا من تحت الركام ودفنوا بالقبر، ولا زلت هنا باق وحيدًا في هذه الحياة بدونهم بعد أن رحلوا، تعرضت لكسور في قدمي وحروق في جسدي وكسر في جمجمتي وآلام في السمع والبصر، لدي تحويلة للعلاج بالخارج لكن مثلي كمثل غيري لا أستطيع السفر".

من رفوف ذاكرته التي تعج بأيام جميلة، لا ينسى ذكرياته في شهر رمضان عندما كانوا يذهبون لصلاة التراويح في مسجدهم ومن ثم التمشي لتناول العصائر والحلويات أو عندما يذهبون لتناول الإفطار الجماعي في أحد المطاعم، وفي رمضان الأخير أمضاه وحيده أنسته صور وذكريات أججت مشاعر الفقد والحزن وهو يجلس أمام مائدة يتيمة لا طعم فيها ولا لون.

كحال رمضان مرّت أيام العيد قاسية عليه، فلم يأتِ له أطفاله لتقبيل يديه وهم يرتدون ملابسهم الجديدة، وبقيت أيامهم لحظة قدوم العيد وخروجهم لصلاة العيد ولتهنئة الأقارب والأرحام ملتصقة على جدار ذاكرته، "عشنا حياة رائعة وسعيدة. ستبقى أرواحهم تعيش في داخلي لآخر نفس، وسيبقى لهم في قلبي عهد الوفاء لأرواحهم إلى لقاء قريب بحبيبتي وزوجتي أماني وقرة عيوني محمد وأحمد وعلي وجنيننا "حسن" خرجت تلك الكلمات التي اختنقت بالدموع، واستدار مغادرًا المقبرة على عهد زيارة في صباح اليوم التالي.

المصدر / فلسطين أون لاين