في قلبهِ ثلاثة جروح، وثلاث حكايات لأشقاء تربوا في كنف والدهم تقدموا صفوف المصلين، كما تقدموا صفوف المقاومين. طريق دفعهم إليه والدهم. تمترس الأبُ د. محمد المدهون في مدينة غزة رافضًا النزوح، وتمترس أبناؤه على الجبهات كل منهم يقارع الاحتلال.
وبين ازدحام الأخبار المتسارعة، وبيانات النعي كان الانتظار ثقيلا كجبل على صدر الأبوين، حينما يطيل الأبناء الغياب وينقطع التواصل وتنعدم "رسائل التطمين"، إلا عندما يعود كل واحد منهم لمأوى العائلة ويطل بجسده المثقل وملامحه المتعبة وصوته المنهك، لكن الثلاثة خرجوا ولم يعودوا إلا شهداء "مقبلين غير مدبرين". مصعب (29 سنة) ومعاذ (27 سنة) وعبد الله (24 سنة) ثلاثة أشقاء قاوموا الاحتلال حتى الشهادة.
في أكتوبر/ تشرين أول 2023، الأب والأم ينتظران عودة مصعب من خطوط التماس، وزوجته وأطفاله يترقبونه، يحدوهم أمل في مولود جديد ذكر، اختاروا تسميته "محمد الفاتح" ولد لاحقا في مايو/ أيار 2024، عله يعوض فقدان طفله الأول الذي حمل نفس الاسم وتوفي نتيجة "ثقب بالقلب" عام 2020. غادرت زوجته وطفلتاها إلى بيت أهلها "طلبا للأمان والرعاية" وبقي والداه وأخوته في انتظاره.
اقترب شقيقه معاذ مترددًا هامسًا في أذن والده "ربنا يتقبله يا أبي" وقف الأبُ حامدًا لله أمام قسوة الفقد الأول، ومساندا أمه "ولدنا وقف ثابتا على الطريق مستغيثا بالله".
شخصية ثائرة
في طفولة مصعب، كانت مليئة بالألعاب القتالية التي شكلت شخصيته الثائرة، ونضجت رجولته مبكرا، عاد من بريطانيا إلى فلسطين مع عائلته عام 2003 متقنا اللغة الإنجليزية وكان بالصف الرابع الابتدائي، يروي والده لـ "فلسطين أون لاين": "كان اندفاعه لملاقاة عدوه يدهشني، لكنه انسجم مع رجاحة عقله، فقد نضج مبكرا كما رحل مبكرا، وعرف طريقه وكان يرى نفسه جاهزا ومستعجلا للقاء الله، ولم يكن غريبا أن يكون بالصف الأول وفي عقدته القتالية".

درس تخصص بكالوريوس محاسبة باللغة الإنجليزية وماجستير الإدارة والقيادة، وتحلى بالأدب والأخلاق يصفه والده بأنه دمث الخلق، وهكذا وصفه أساتذته في كل المراحل، وكان أكثر سؤال يوجه لوالده عنه "الدمث ابنك؟" حتى بات سؤالا معتادا له، وأضاف المدهون: "كان فخورا بي، وما علم أن فخري به أعظم. كبر وأصبح رب أسرة، ولم يتوقف عن محاولة جلب حذائي كنوع من البري، ولم يتقدم أمامي خطوة".
يحكي عن استشهاده: "قاتل حتى النقطة صفر، أصيب والدماء تنزف من قدمه، فانسحب إلى ملاذٍ صغير بعد أن ربط زميله عصبة على جرحه النازف، لكنه أصر على تذخير بندقيته، مجدداً بمساعدة زميله ليواصل القتال، ومعه بندقية أخرى، في حصنه الأخير، قبل أن تعاجله رصاصات العصابات ليرتقي حيث أحب. حتى جثمانه الطاهر لم نتمكن من إيجاده، وما زال مفقوداً. لم تتح لنا فرصة وداعه أو تشييعه إلى مثواه ".
بعد أيام من نبأ استشهاد مصعب اشتد القصف، وزادت خطورة الأوضاع، ولم يأت معاذ المجاهد الثاني في العائلة وهو الذي نقل خبر استشهاد شقيقه مصعب لوالديه، وهذا الشاب فقد بيته وترك طفلته الرضيعة التي ولدت في سبتمبر/ أيلول 2023 لكن صوت الباب فتح بهدوء ولامس الفرح قلب والديه عندما شاهداه حيًّا: "الحمد لله يا حجة. نور المهندس"، كان متعبًا متضورًا من الجوع يشكو وجع رأسه، فدعته أمه: "سلامتك. تعال كل لقمة وارتاح. والله ميت جوع". أمضى ليلة واحدة، كانت "استراحة محارب" ثم غادرًا نحو الجبهة مجددًا وخطوط التماس.

قبل المغادرة، كانت نظراته أشبه بمودع، يستحضرها والده: "قال لأمه: "لا تحزني لو لم أعد"، كان في قلبه غصة لتدمير شقته. واسيته بأن المال معوض، ودعابته ككل مرة لا يسمع بإحدى أذنيه التي فقد خلالها السمع أثناء التدريب، وقلت له: "لازم تركب سماعة أذن"، ليرد: "كنت أنتظر مشروعا ممولا". حزنت لأنه لم يذكر لي سابقًا، فوعدته إن انتهت المحرقة أن نركب له سماعة دون انتظار ممول، لكن غادر وقصف بصواريخ مسيرة إسرائيلية وهو في سيارته ومعه رفيق رحلته الأخيرة كان يسعى لتوفير ما أمكن لمواصلة المعركة. لم أحظ بوداعه شهيدًا فبقي بريق عيناه لحظة وداعه الأخير مستقرا بالذاكرة".
خبر استشهاد معاذ وهو مهندس حاسوب في 8 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 في يوم ميلاده، سائرا على درب شقيقه مصعب، كان خلال الحرب يتنقل من بيت إلى آخر، ومن فوق الأرض إلى تحتها، أو يقطع الطرق سيرًا تحت القصف، يرثيه والده: "كان يعتقد أنه تأخر في اللحاق بالشهداء، لكنه لم يتأخر، بل تعجل الرحيل في الأيام الأولى للاجتياح البري".
رغم أنه في مقتبل العمر حقق معاذ إنجازات متراكمة، فحفظ القرآن مبكرًا، امتاز بتنظيم شؤون حياته، يطرق صوته ذاكرة والده "أنا تربيتك يا أبي، وحياتي بنيتها على هداك". يعلق والده بنبرة مليئة بالحنين والفخر: "لم أذكر أنني نصحته يوما، لأنه لم يحتج لكثير توجيه، وكان يقول لي: "كل عمل تؤديه، وكل كلمة تقولها بشكل عام، تربينا عليها، ربما لا تنتبه، لكنها تغرس في قلبي وعقلي، وتصبح منهج حياتي". تزامن استشهاد معاذ مع اعتراف من جيش الاحتلال بمقتل أحد عشر جنديا نتيجة ضربات المقاومة وبطولاتهم.
"مهجة القلب"
لم تختلف حكاية بطل العائلة الثالث عبد الله عن حكاية شقيقيه، فسار على ذات الدرب وخرج لعقدته القتالية في حي "تل الهوى" وتزامن مع عملية عسكرية لجيش الاحتلال مترقبًا صيدًا، وهو يحمل قاذف دروع، لم ترهقه ليالي السهر ولا أيام الانتظار الطويلة الممتدة لشهر، مكتفيًا بالتمر وقليل من الماء، وضوء عتمته مسبحة الخاتم، وكل الأمل أن يكون جالوت في عين غوله القناص.
قصفت طائرة حربية المكان الذي تمركز به عبد الله ورفاقه، يحكي والده: "يسر الله خروجه من بين دبابات العدوان وطائرات الاستطلاع، لاحقته مسيرات "كواد كابتر" لكن وصل إلى مأوانا المحاصر، وعلم بارتقاء أخيه الثاني، فما زاد عن قوله: "الله يسهل عليه، وكلنا على هذا الطريق".

تجمع من بقي من العائلة في تهدئة نوفمبر المؤقتة، جاءت دعوة من إيرلندا لاستقبال عبد الله كونه يحمل جنسيتها، إلا أنه أبى الخروج من غزة قطعا، بل إنه في رؤيا لصديقه الذي آه يشع نورًا أوصاه: "لا تخرجوا من غزة أبدًا، اثبتوا، غزة جايها خير كثير."
كان في تدويناته على الورق يكثر من كتابة: "اللهم الثبات، نصر أو استشهاد"، حتى عاد لعقدته القتالية رفقة العديد من المقاومين وقادتهم الميدانيين، وقصف المكان على من فيه، فأصبح قبرهم ومثواهم وشاهدًا عليهم.
بعد شهرين من استشهاده جرى انتشال جثمانه وكان جسده كما هو: "الدم لون الدم، والريح ريح المسك". وهذه المرة اتيحت لوالده إلقاء نظرة الوداع ورؤيته مضرجا بدمائه.
كان عبد الله لوالديه "مهجة القلب"، يصفه والده بأنه "شفاف أبيض حنون دافئ. تربى على يدي أخويه اللذين سبقاه للشهادة"، كان شغوفا بالمقاومة، والسلاح لعبته، لم يعرف من الدنيا إلا مسجده وبيته وجامعته ومقاومته، وكان يوازن بين دراسته الجامعية الإلكترونية وحل واجباته خلال الحرب وبين المقاومة، وكان يُكنى "أبا مسلمة" تيمنا بابن خاله "مسلمة" الذي استشهد قبله بأيام مقبلا غير مدبر.

