معركة إعادة الإعمار ومحاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بأساليب جديدة

يحاول أكثر من طرف أن يكون مايو 2021 مختلفًا عما قبله، وهذه الأطراف هي: المقاومة الفلسطينية التي خاضت معركة سيف القدس، وخرجت منها مرفوعة الرأس، والسيد محمود عباس وفريقه الذي وجد نفسه خلال المعركة على الهامش، لكنه وجد مع تعاظم المعركة أن الدول الكبرى بدأت تُعيد الاهتمام به، ومصر أيضًا، إضافة إلى الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

باستثناء المقاومة، فإن الأطراف الأخرى جميعًا تريد أن يبدأ الحديث عن إعادة الإعمار مبكرًا، وترغب غالبيتها أن يكون هذا الموضوع مدخلًا لتحقيق ثلاثة أهداف: أولها تصغير المقاومة الفلسطينية وشعبها من خلال عودة الحديث عن المال والبناء والمساعدات، وثانيها يتمثل في إدخال الساحة الفلسطينية في حالة من الخلاف السياسي حول من سيتلقى الأموال، ومن سيتصرف فيها، وثالثها إجبار محمود عباس وفريقه على أن يخوض معركة عزل وإقصاء حماس إذا أراد أن يتولى مهمة تلقي الأموال.

أما المقاومة فإنها قد أبدت ترفعًا في موضوع المساعدات، وأعربت بوضوح أنها لا تتطلع لهذه الأموال، وأنها ستفتح الباب واسعًا أمام كل من يريد أن يساهم، وأنها لا تريد من هذا المال شيئًا، لكنها تريده أن يصل للشعب من أجل التعمير والتشغيل والتنمية، وتجدر الإشارة إلى أن المقاومة بدأت توفير مبالغ مالية لأصحاب البيوت المتضررة حتى تتمكن من إيواء نفسها في الأشهر المقبلة، وذلك حتى تتمكن من تأمين عملية الانتقال إلى إعادة الإعمار بعيدًا عن ضغط الحاجة العاجلة والمُلحّة للناس.

بشكل عام، ومن خلال تتبع مواقف الأطراف التي تحدثت عن المساعدات، يمكننا تسجيل مجموعة من الملاحظات حول طبيعة هذه المواقف، ولنبدأ بالموقف المصري الذي أعلن موقفًا سريعًا يتكون من عدة مكونات: أولها إصدار تصريحات من شخصيات دينية وإعلامية وسياسية داعمة للشعب الفلسطيني، وثانيها توجيه مساعدات عاجلة للشعب الفلسطيني في غزة، وثالثها تشكيل صندوق بمبلغ 500 مليون دولار أمريكي لإعادة الإعمار، ورابعها تنفيذ إعادة الإعمار من خلال شركات الجيش المصري.

إن هذا الموقف المصري يدفع للتفكير في ثلاثة اتجاهات: الأول أن النظام المصري قد أجرى إعادة تقييم لمواقفه السابقة من غزة، وأنه وجد في المقاومة سندًا يمكن الاعتماد عليه في الضغط على (إسرائيل) التي تعبث في الأمن القومي المصري، خاصة من خلال مساندة (إسرائيل) للموقف الإثيوبي فيما يتعلق بسد النهضة.

لكن حتى يقتنع الفلسطينيون بجدية هذا التوجه، فإنهم بحاجة لما يُعززه، ويتمثل في فتح معبر رفح بالكامل أمام الأشخاص والبضائع على مدار الساعة دون تعطيل، إضافة إلى تقديم المساعدات التي يحتاج إليها الفلسطينيون مثل المواد التي تحظر (إسرائيل) إدخالها، وقيام الشركات المصرية ببناء المرافق التي لا خبرة للشركات الفلسطينية ببنائها مثل الميناء والمطار، أما البيوت والشوارع فإن الشركات الفلسطينية لديها الخبرة الكافية في تعميرها، ويُبدي الفلسطينيون استغرابًا، ويقولون: ألا يُدرك الجيش المصري حجم البطالة المتفشية في قطاع غزة؟ ألا يُدرك النظام المصري أن قيام شركاته بإعادة الإعمار يحرم المقاول والمهندس والعامل الفلسطيني من فرصة عمل هم في أمس الحاجة لها؟

أما الاتجاه الثاني فإنه يُثير الشكوك حول هدف إنشاء الصندوق، وإعلان أن التنفيذ سيتم من خلال شركات الجيش، ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن النظام المصري يريد احتكار استلام المساعدات القادمة من الخارج، والاستفادة منها اقتصاديًّا، واستخدامها في التحكم في القرار الفلسطيني داخل غزة، والضغط على القرار الفلسطيني في رام الله، إضافة إلى الدخول إلى غزة بمؤسسات أمنية تستطيع أن تساهم في إعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل قطاع غزة.

والاتجاه الثالث يتمثل في أن النظام المصري وجد في انتصار المقاومة رافعة له في إعادة ترتيب علاقته مع النظام الأمريكي الذي كان يتهم نظام مبارك بانتهاك حقوق الإنسان، ويرفض التعامل معه، وذلك من خلال الوعد بترتيب أوضاع غزة بما يحقق مصالح الأمريكان و(إسرائيل)، أو استخدام ورقة غزة كورقة رابحة كما كان يفعل نظام حسني مبارك مع الإخوان، حيث كان يحافظ على مساحة عمل لهم لكي يخوف أمريكا منهم، ويقنعها أنه هو الوحيد القادر على كبتهم.

إزاء ما تقدم، فإن القلق ينتاب الفلسطينيين من هذه الخطوة المصرية، ويجعل النظام المصري بحاجة إلى إزالة هذه المخاوف من خلال عدة خطوات، تتمثل في: الضغط على الاحتلال لوقف الانتهاكات والاعتداءات في القدس، وفتح معبر رفح بشكل كامل وغير مشروط وفورًا، والسماح لوفود المتضامنين الوصول إلى غزة بحرية دون أي إعاقات أو اشتراطات، وباعتبار هذه الأمور حقوق للشعب الفلسطيني، وليست امتيازات يمن بها النظام المصري على أشقائه الفلسطينيين.

وفيما يتعلق بالموقف الأوروبي والأمريكي، فإنه يُبدي شيئًا من التضارب، حيث يقول البعض أنه يريد المساهمة في إعادة الإعمار عن طريق السلطة، ويشترط أن يكون هذا بهدف تقوية السلطة وتمكينها من إقصاء حماس، والبعض الآخر يتحدث عن ضرورة أن تشمل الاتفاقات والتسويات حركة حماس.

إن هذا التوجه الغربي يهدف إلى إحداث فرقة فلسطينية داخلية من خلال تخويف السلطة من بديل متوهم، ومن ثم فإنها ستقبل بالدور المرسوم لها في إعادة الإعمار، بما يشمل إقصاء حركة حماس، على أمل تحقيق فائدتين: الأولى العوائد المالية التي ستربحها من أموال إعادة الإعمار، والفائدة الثانية أن هذا الدور سيفتح أمامها فرصة لإحياء مسار المفاوضات حول حل الدولتين.

في الختام لا بد من التأكيد أن معركة (سيف القدس) قد فتحت بابًا واسعًا للتغيير إذا أحسن الفلسطينيون العمل معًا، وكذلك إذا أحسن تيار المقاومة إدارته إن ذهب محمود عباس باتجاه المغريات الدولية، وقد تكون معركة إعادة الإعمار مدخلًا لإعادة عقارب الساعة للوراء.