حيرة غزة بين الحفاظ على قوتها الصلبة أو التخلي عنها

نحن، أو غالبيتنا العظمى، منحازون لمقولة (إن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة من حديد)، ولدينا قناعة مطلقة بالمقولة الشهيرة، والتي لا أعرف مصدرها (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، وبالتالي فإننا أكثر ميلاً لاستخدام العنف، خاصة إذا تيسّر لنا من موارد القوة العنيفة ما يعيننا على ذلك، وإن لم يتيسّر فإننا نلجأ للخنوع والاستسلام، يفعل بعضنا هذا معترفاً بهزيمته وقلة حيلته، أما بعضنا الآخر فيلجأ إلى فلسفة الأمر، واعتبار الاستسلام والخنوع حكمة وعقلانية، ونحن في هذا لسنا بِدَعاً من الأمم والشعوب، بل إن الكثير من الشعوب عاشت تجارب مماثلة.

لا شك أن القوة الصلبة مهمة، وقد فعلت فعلها في التاريخ عندما استخدمتها الأمم في الحروب، وحققت إنجازات لمختلف الشعوب والدول على غيرها، وكذلك مكنت الكثير من الحكام من فرض سيطرتهم على شعوبهم، لكن تجارب التاريخ تؤكد أن الكثير من الدول والبلدان تدمرت بسبب امتلاكها للقوة الصلبة، والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي نقاشنا في الأسطر التالية من هذا المقال سنتطرق إلى بعضها.

ويمكن القول أن المثال الأقوى والأبرز على أهمية القوة الصلبة في تحقيق الإنجازات، هو الولايات المتحدة الأمريكية، هذا البلد ارتكب أفظع الجرائم في التاريخ (هيروشيما ونجازاكي)، لكن قادة هذا البلد يتصدون لإعطاء كل بلدان العالم دروساً في "الأخلاق"، هذه الدولة تمتلك أعتى قوة صلبة في العالم، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة لمنع غيرها من تجاوز حدود معينة في مجال امتلاك الأسلحة، وتمارس كل أنواع الإكراه لتحقيق هذا الغرض، لكن هذه الترسانة من الأسلحة العنيفة تساندها أنواع أخرى من القوة على رأسها إنتاج المعرفة من خلال البحث العلمي، إضافة إلى الاقتصاد القوي.

وقد سبق الولايات المتحدة الأمريكية كل من بريطانيا وفرنسا، حيث استخدمت العنف والقوة الصلبة في احتلال مناطق واسعة من العالم، ونهبت خيرات وثروات تلك الشعوب، واستعبدت الكثيرين من أهلها، وبالمجمل فإن الحضارة الأوروبية في العصر الحديث قامت على السطو والسلب والنهب والاستعمار باستخدام الجيوش.

ويُضاف إلى ما تقدم، فإن الكثير من الأمم في الشرق والغرب استخدمت القوة الصلبة، وحققت من خلالها إنجازات، هذا يشمل الفتوحات الإسلامية، وهجمات المغول والتتار ...إلخ، بعض هذه التجارب استخدمت العنف أكثر من غيرها، لكن في النهاية فإن التجارب التاريخية ومعطيات الواقع تؤكد أن القوة الصلبة عامل مهم في حماية البلدان والكيانات وتحقيق أهدافها وضمان استقرارها ونموها وازدهارها.

ولكن في المقابل هنالك بلدان لجأت للقوة الصلبة، وحققت إنجازات من خلالها، لكنها عادت وارتكست، ثم تخلت عن فكرة امتلاك القوة الصلبة، من أشهر الأمثلة على هذه البلدان ألمانيا، في عهد هتلر بنت ألمانيا قوة عسكرية ومعرفية واقتصادية، واكتسحت أوروبا، وحققت إنجازات كبيرة، لكن تحالفت ضدها دول كثيرة، وانتهى الأمر بهزيمة ألمانيا، وإخضاعها.

بعد الهزيمة، ولأسباب عديدة، قبلت ألمانيا أن تُقزِّم طموحاتها، ورضيت ألا تكون عضواً دائماً في مجلس الأمن، وألا تمتلك قوة عسكرية منافسة، أو حتى موازية لغيرها من البلدان الغربية الكبرى، وقبلت أن تكون حمايتها من خلال حلف الناتو، وهذا وفّر لها إمكانية للتعافي من جديد على صعيد تنمية البلد في المجال الاقتصادي والخدماتي والمعرفي، لكن يبرز سؤال مهم هنا وهو: هل كان بإمكان ألمانيا أن تحظى بالمساعدات الأمريكية من خلال مشروع مارشال، وبالتالي تتعافى اقتصادياً، لولا أن الولايات المتحدة أرادت الاستفادة من موقع ألمانيا في تحجيم الاتحاد السوفييتي؟ بكل تأكيد لم يكن بإمكان ألمانيا أن تتعافى لولا المساعدات الأمريكية، والمساعدات الأمريكية لم يكن بالإمكان أن تصل لألمانيا لولا حاجة الولايات المتحدة لتطويق قوة الاتحاد السوفييتي، وخلاصة القول في هذه المسألة أن الألمان استفادوا من لحظة تاريخية، توفرت فيها عوامل عديدة، وبالتالي لا يمكن اعتبار النموذج الألماني صالحاً لكل الأماكن وفي كل الحالات والظروف، وينطبق ذات الأمر على التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية.

ومن الأمثلة على السعي لامتلاك القوة تجربة صدام حسين في العراق وما لحق به وببلده من دمار، وتجربة إيران بعد ثورة الخميني وما عانته من حصار شديد أثّر سلباً على أوضاع البلاد، لكن هنالك فرق بين التجربتين، فالعراق تعرض للتدمير، بينما إيران رغم الحصار، فإنها تراكم قوتها، وتفرض وقائع في المنطقة، وتسيطر (من خلال حلفائها من غير الدول) جغرافيا واسعة أحياناً، وأحياناً أخرى تسيطر على قرار بعض الدول، أو على الأقل تؤثر فيه بقوة، ولا زالت موجودة، والدول المؤثرة في العالم قررت التحاور والتفاوض معها، وليس تدميرها بالقوة العنيفة، وهذا يجعلنا نستنتج بأن امتلاك القوة واستخدامها، بطريقة لا تُعجب الغرب، لا يعني بالضرورة وصول صاحب القوة إلى الدمار، بل قد يساعده على تحقيق الإنجازات، وربما يكون نموذج طالبان نموذج أوضح، حيث أدى امتلاك هذه التجربة للقوة في البداية إلى حرب وتدمير، لكن صمود طالبان جعل أعداءها يلجئون للتفاوض معها.

ومن النماذج الأخرى تجربة الإسلاميين في تركيا، حيث ابتعدوا عن القوة الصلبة، وقدموا الكثير من التنازلات، وامتصوا الكثير من الضربات، وانحنوا أمام العديد من العواصف، وواصلوا التقدم، لكنهم في النهاية لجئوا إلى كبح جماح القوة الصلبة داخل الدولة، وإحداث توازنات داخل مؤسسات القوة الصلبة في الدولة من خلال إصلاحات في جهاز المخابرات والشرطة.

إن النقاش بشأن القوة الصلبة وضرورة امتلاكها من أجل إحداث التغيير، أو وجوب الابتعاد عنها خشية التعرض للتدمير مسألة في غاية التعقيد، ولن يستقر للفكر الإنساني قرار فيما يتعلق بتناول هذا الموضوع، وستبقى حيرة البشر مستمرة بشأن استخدام القوة الصلبة أو التخلي عنها.

اكتب هذا المقال على خلفية ما يجري من نقاش بشأن غزة وقوتها الصلبة، وما هو الأفضل؟ هل يستمر تراكم القوة الصلبة في التعامل مع الاحتلال؟ وهل ستتحمل الأجيال مزيداً من المعاناة؟ وهل سيحدث الفرج لو تخلت غزة عن قوتها الصلبة؟ وهل تخلي الضفة عن القوة الصلبة حقق لها الفرج؟ وهل تخلي الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1948 عن القوة الصلبة ساعدهم على تحقيق "المساواة" والازدهار؟

واختم المقال، بأنه لا توجد مقدسات، ولا مقولات قاطعة بهذا الشأن، وعلى الأمم والشعوب أن تصوغ نموذجها الخاص بواقعها، وأن تطور هذا النموذج بين الفترة والأخرى، وهي ملتصقة بوجوب تحقيق أهدافها بالحرية والتحرر والاستقلال.