المجتمع الفلسطيني والمبالغة في الاحتفاء

لكل مجتمع من المجتمعات طقوس خاصة يُحتفى بها في الأحداث الهامة، خاصة تلك الأحداث التي لها تأثيرات إستراتيجية على واقع ومستقبل المجتمعات.

ونحن الفلسطينيون لسنا بدعًا من الشعوب والمجتمعات، فقد احتفينا عبر تاريخنا الممتد بالكثير من الأشياء والأحداث والمناسبات، في هذا المقال سأحاول مناقشة ثلاثة أحداث نوليها أهمية كبيرة، ونحتفي بها احتفاءً ملحوظًا، نبالغ أحيانًا، ونتراجع عن الكثير مما فعلناه سابقًا، وهذه المناسبات الثلاث هي: الزواج، والوفاة، والنجاح في الدراسة.

بالنسبة للزواج فإن أغلب شعوب الأرض تحتفي بهذا الحدث، والسبب في أن الأسرة ركن أساسي في بنية المجتمعات، من خلالها تحافظ المجتمعات على البقاء، ولمّا كانت عملية تكوين الأسرة مسؤولية ثقيلة، لكنها ضرورية في نفس الوقت، فقد أولى الناس مناسبة تأسيس الأسرة أهمية فائقة، وأحاطتها بطقوس احتفالية بهيجة.

وقد اكتسب موضوع الزواج في مجتمعنا الفلسطيني أهمية إضافية لأسباب عديدة، منها أن الدين يحثُّ على الزواج، ويُعلي من شأن تكوين الأسرة، إضافة إلى كون مجتمعنا الفلسطيني كان مجتمعًا زراعيًّا يحتاج إلى الأبناء والعزوة، وكذلك لأن البُعد الديمغرافي مهم في صراعنا مع الاحتلال.

ولأن الزواج يكتسب هذه الأهمية فقد أحاطه الناس بكل هذه الطقوس، قبل مئة عام كانت طقوس الزواج محددة وواضحة، وتتميز عن بعضها، باختلافات واضحة، بين البادية والريف والمدينة، لكنها في الجوهر كانت تعتمد على وجود حالة من التكافل الواضحة والكبيرة بين الناس، وذلك من خلال النقوط والهدايا التي يتبادلها الناس في هذه المناسبة، وذلك لمساعدة بعضهم، إضافة إلى الفرحة والبهجة من خلال الرقصات المتنوعة، ويضاف إلى ما تقدم الولائم التي يُكرم من خلالها أهل العريس ضيوفهم.

وهكذا كان الناس يؤكدون أهمية الزواج، ويجعلون الوصول إلى هذه المحطة حلم يتطلع إليه كل الأولاد والبنات منذ صباهم المبكر، لكن المرحلة الراهنة تشهد مبالغة في الطقوس إلى درجة أنها تحولت إلى عبء على الأزواج الشابة وأهاليهم، وربما أصبحت تؤدي نتائج عكسية، إذ يُحجم الكثير من الشباب عن الإقدام على هذه الخطوة بسبب تكلفتها الباهظة، ومن يُقدم عليها دون مساعدة الأهل فإنه يقع تحت طائلة ديون مرهقة.

وهذا يتطلب إعادة نظر فيما يتعلق بتكاليف الزواج، وبهذا نحافظ على الهيبة والبهجة والاحتفاء، دون إرهاق، ودون أعباء، ودون ديون.

وفيما يتعلق بالوفاة، فإن كل المجتمعات البشرية تحيطها بهالة من الهيبة والوقار، وتقيم طقوسًا لتكريم الميت، والتركيز على محاسنه، والاعتراف بفضله، ومواساة عائلته، وتكمن أهمية هذا الأمر في أن الأحياء يشعرون بقيمة الحياة والعطاء خلالها؛ لأنهم سيجدون لحظة وفاتهم من يقف بجوارهم مواسيًا ومعزيًا ومعترفًا بالفضل، ويزداد شعور الإنسان بالطمأنينة في حياته عندما يجد أن مجتمعه سيرعى أطفاله بعد رحيله من خلال عملية تكافل يساهم فيها الأقرباء والمحسنين، وأحيانًا مؤسسات الدولة.

لكن هذه الطقوس تحوّلت في بعض المراحل إلى عبء على ذوي الميت، إذ بالغ الناس فيما يقدمونه خلال الأيام الثلاثة من ضيافة شملت الغداء، والسجائر، والتمور، إضافة إلى القهوة. وتجدر الإشارة إلى أن الناس كانوا قبل خمسين عامًا، من الآن، يطيلون طقوس العزاء، حيث يعيد الناس الاجتماع بعد الأيام الثلاثة التي تعقب العزاء، عندما يأتي الخميس الأول، ثم في ذكرى الأربعين، وفي الذكرى السنوية، حتى أن هناك موسمًا يُعرف باسم (خميس الأموات)، وكان الناس في ذلك الموسم يبيتون في المقابر.

لكن الناس مع الوقت خففوا من هذه الطقوس، وكان آخر ما فعلوه على هذا الصعيد، هو امتناعهم عن تقديم السجائر، واكتفوا بالتمور والقهوة، وبعدها اقتصر العزاء على مرحلة ما بين العصر والعشاء، وهذا خفف مصاريف العزاء، إضافة إلى تقليل الجهد الذي يبذله الناس في هذه المناسبات.

والسؤال هنا، لماذا تمكن الناس من تخفيف كلفة طقوس العزاء، وفي المقابل ارتفعت تكاليف طقوس الزواج؟

والمناسبة الثالثة التي قلنا إننا سنتناولها في هذا المقال هي طقوس الاحتفاء بالنجاح في الثانوية العامة على وجه الخصوص، وكذلك في الجامعة. وترجع أسباب الاحتفاء المبالغ فيه بالتعليم، خاصة الثانوية العامة، إلى كون التعليم قد شكل منذ مرحلة ما بعد النكبة موردًا مهمًا للرزق، وعاملًا رئيسًا في ارتقاء الناس في السلم الاجتماعي، إذ انتشر التعليم بشكل كبير، وتوفرت وظائف كثيرة في دول الخليج لخريجي الجامعات، وكانت الثانوية العامة هي المفصل الرئيس الذي يتحدد من خلاله مستقبل الشباب، فإما أن يتفوق ويحصل على تخصص يوفر له راتبًا مجزيًا ومكانة رفيعة في المجتمع، وإما أن يُقصِّر ويحرم نفسه تلك الميزة.

بقي هذا الأمر فترة طويلة، وكان الناس يحثُّون أبناءهم طوال الوقت على الاجتهاد والتفوق، وكانوا يحتفون بمن يتفوق لأنه يفتح أمامهم بابًا للارتقاء في السلم الاجتماعي، ورغم أن التعليم لم يعُد يمنح أصحابه ذات المكانة، إلا أن الاحتفاء بالنجاح وبالتفوق لا يزال قويًّا في مجتمعنا، وفي بعض الأحيان فإن هذا الاحتفاء والاهتمام يجعل الطلاب في مرحلة الثانوية العامة يعيشون حالة من الارتباك الشديد.

لماذا احتفظت نتيجة الثانوية العامة بهذه القيمة في نظر الناس، مع أن الجدوى الحقيقية من ورائها انخفضت كثيرًا؟ إن الإجابة على هذا السؤال، والسؤال الذي طرحناه في منتصف المقال ترجع إلى أننا لا نُجري مراجعات لما يحدث في واقعنا، وبالتالي لا يحدث التغير للعادات، أو استمرارها بناء على وعي بمصلحة انتفت، أو بضرورة يجب التجاوب مع مقتضياتها، وفي الكثير من الأحيان فإن الرياح تعبث بأشرعتنا، وتتحكم في تحديد اتجاهنا دون إدراك منا.

ربما تكون السمة الأبرز فيما استجد على صعيد المناسبات التي تناولناها في هذا المقال، أن طقوس التعبير عن الحزن تتقلص، أما مساحات التعبير عن الفرح فإنها تتسع، وتبلغ أحيانًا حد الرعونة، ويكون الإنفاق عليها مبالغًا فيه بشكل يُثقِل كاهل الشباب.

قد يكون من المناسب أن تحظى هذه التغيرات بنقاشات معمقة، ودراسات علمية جادة، فهل سنفعلها؟