ينهمك بحارة فلسطينيون من سكان قطاع غزة بالبحث في أعماق البحر عن 3 بحارة مصريين ينحدرون من مدينة بورسعيد فُقدوا أمام الشواطئ المصرية مؤخرًا، في حدثٍ ليس الأول من نوعه.
والشبان المشاركون في هذا العمل البحري الشاق مجموعة تتألف من سباحين وغواصين ومنقذين بتعداد 41 شخصًا، يعملون ضمن مبادرة أطلقتها مجموعة "غواصي الخير المتطوعين" التي تمتد جذورها في عدة بلدان عربية ومنها فلسطين وتحديدًا قطاع غزة البالغ مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، ويطل على البحر الأبيض المتوسط بطول 40 كيلومترًا مربعًا.
ومنذ أن تلقى هؤلاء نبأ فقدان بحارة مصريين أمام شواطئ مدينة بورسعيد في إثر المنخفض الجوي القطبي الذي تأثرت به بلاد الشام ومصر ودول عربية أخرى طيلة أسبوع كامل مؤخرًا، لم يتردد هؤلاء في النزول إلى البحر بعد إعلان فقدانهم.
وكان المصور الصحفي محمد أسعد من بين هؤلاء المشاركين في البحث عن بحارة بورسعيد.
"رغم عملي مصورا صحفيا استكشافيا لشاطئ بحر غزة فإنني بادرت بالانضمام إلى فريق البحث عن البحارة المفقودين"، قال أسعد لصحيفة "فلسطين" ذلك وهو يرتدي بِزَّة غوص بحرية تشبه في تمويهها ألوان الصخور تحت المائية.
ويتوقع المصور أسعد أن يكون الصيادون قد فارقوا الحياة بعد مرور أكثر من أسبوع على فقدانهم.
وأضاف: رغم أن مكان حادثة فقدان البحارة في مصر يبعد عن غزة مسافة 200 كيلومتر، فإننا نتوقع إمكانية وصولهم إلى بحر غزة بسبب قوة الرياح المرافقة للمنخفض القطبي الذي حلّ في 16 فبراير/ شباط الجاري.
وتابع: "نسعى من خلال هذه المبادرة إلى العثور على البحارة المفقودين وتسليمهم لجمهورية مصر ومن ثم إلى ذويهم الذين ينتظرون أبناءهم أحياءً أو أمواتًا على أحر من الجمر".
جثمان أحد البحارة
وفي العشرين من الشهر الجاري، قذفت أمواج بحر مدينة رفح جنوبي القطاع، جثمان أحد البحارة المفقودين، ويدعى ماهر جابر خلة عبيد (47 عامًا)، من سكان حي الضواحي التابع لمحافظة بورسعيد شمالي مصر، وفق معطيات أوردتها وزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة.
ويزيد ذلك من احتمالية تمكن المنقذين والغواصين الغزِّيين من العثور على البحارة المفقودين المتبقين وعددهم 3، بعد العثور على اثنين أحدهما في مصر والآخر في رفح.
وقال أسعد: "ما نفعله هو امتداد للعروبة والأخوة بين الشعبين الفلسطيني والمصري، وتأكيد وحدة الدم والوقوف مع الشعب المصري بكل مكوناته في أي محنة يواجهها".
والقارب المصري الغارق يتبع أحد التوكيلات الملاحية بمحافظة بورسعيد، وقد خرج لتوصيل مجموعة طرود إلى سفينة في عرض البحر المتوسط على بعد 20 ميلًا، ونتيجة ارتفاع الأمواج إلى 8 أمتار، تعرض القارب للغرق وعلى متنه البحارة الخمسة.
وانتشل قارب تابع لهيئة قناة السويس جثمان البحار محمد السيد، الضحية الأولى للحادث، وظهر جثمان البحار الثاني على شاطئ مدينة رفح.
ويتابع منسق المبادرة العربية لغواصي الخير العرب ماهر أبو مرزوق باهتمام بالغ عمليات البحث التي ينفذها الغواصون والسباحون والمنقذون على طول شاطئ غزة وفي أعماق مختلفة.
وقال أبو مرزوق لـ"فلسطين" إنه بعد ظهور جثة البحار عبيد، تواصل معنا الأهالي من بورسعيد وغواصو الخير المتطوعون من مصر والعديد من الجهات المصرية، ثم بدأنا عمليات البحث أمام شواطئ مدينة رفح، ومن ثم محافظة خان يونس، وبعد ذلك انتقلنا إلى الشمال ومن ثم إلى ميناء الصيادين بغزة ومحيطه.
وأمس، نفذ غواصو الخير عمليات بحث كبيرة في بحر غزة أمام مدينة الزهرة تحديدًا، لوجود عوالق بحرية متعددة، بحسب أبو مرزوق، الذي أضاف: "خاطرنا ونزلنا إلى البحر رغم ارتفاع الأمواج وتوقعنا العثور على شيء، لكننا لم نجد شيئا للأسف".
كما انطلق سباحون ومنقذون من ميناء غزة، والقول لأبو مرزوق، ضمن دوريات بحث بحرية إلى حدود شاطئ النصيرات وسط القطاع، مع تفتيش حوض الميناء، وعمليات تمشيط لشواطئ بحر الزهرة، بقوارب صيد صغيرة "حسكات".
وأكمل أبو مرزوق، وهو مدرب سباحة وغوص: "رسالتنا السامية التي نحاول إيصالها للجميع، أننا نحاول الحفاظ على الكائن البشري، نخرج من بيوتنا لانتشال جثامين الغرقى لنؤكد أن هدفنا إنساني تطوعي بحت لا نتقاضى عليه أجرًا من أحد، وتأكيدًا لتضامننا مع غواصي الخير المتطوعين في الدول العربية، ودعمًا للمهام الإنسانية التي ينفذونها".
قلة المعدات
لكنه نبَّه في الوقت ذاته إلى أن مجتمع البحارة في قطاع غزة يعاني قلة المعدات وعدم وجود جسم شرعي حقيقي له، وعدم الاهتمام به من أي جهة رسمية.
وتابع: "مستمرون في سعينا للأفضل وتطوير الكوادر وتشكيل فرق إنقاذ تطوعية هي بحاجة ماسة إلى معدات وإمكانات يُمنع دخولها من جانب الاحتلال الإسرائيلي وحتى من الجانب المصري إلى القطاع (...) من المؤكد أن إدخال معدات غوص متطورة سيساهم في الوصول إلى أماكن أبعد وتنفيذ مهام إنقاذ أكبر وأكثر قوة".
وفي منتصف يناير/ كانون الثاني 2019، تمكن فريق غواصين تابع للشرطة البحرية من إنقاذ 6 صيادين بعد أن جرفتهم الأمواج العالية من مصر إلى بحر مخيم النصيرات وسط القطاع، وأعادتهم سالمين إلى بلادهم وأهلهم، في مشهد يعكس حجم المؤازرة التي تقدمها غزة استجابة لنداءات البحث عن المفقودين.

