فلسطين أون لاين

الإخفاء القسري في غزة.. خالد صبح وآلاف المفقودين بلا أثر

...
أسرى فلسطينيون يجلسون في ساحة السجن حولهم قوات من القمع الإسرائيلية
غزة/ جمال غيث

مع إشراق فجر كل يوم، تبدأ زوجة المفقود خالد صبح (26 عامًا) فصلاً آخر من المعاناة، محاولة التكيّف مع واقع قاسٍ فرضه غياب زوجها القسري منذ أكثر من عام.

صبح، وهو من سكان بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره كليًا، في واحدة من آلاف حالات الإخفاء القسري التي لا يزال الاحتلال يمارسها بحق الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة.

في ذلك اليوم، كانت بيت لاهيا تتعرض لاجتياح بري عنيف، رافقه قصف مكثف بالمدفعية والطيران الحربي، وإطلاق نار عشوائي طال المنازل والطرقات، وارتكبت خلاله مجازر بحق المدنيين راح ضحيتها المئات بين شهيد وجريح، والقول لزوجة صبح.

وتحت وطأة الخوف والموت، اضطر صبح وزوجته وأطفاله الأربعة إلى مغادرة البلدة قسرًا عبر ما يعرف بحاجز "الإدارة المدنية" قرب شارع صلاح الدين شمال القطاع.

ملفات سرية

وتروي السيدة، أن تلك اللحظات كانت الأخيرة التي رأت فيها زوجها، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال وتقتاده إلى جهة مجهولة دون توجيه أي تهمة، أو الإفصاح عن مكان احتجازه.

ومنذ ذلك الحين، لم تتلقَّ العائلة أي معلومة رسمية عن مصيره، في ظل سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال تقوم على الإخفاء القسري وحرمان المعتقلين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.

وتقول زوجة المفقود صبح لـ "فلسطين أون لاين": إن حياتها انقلبت رأسًا على عقب بعد فقدان المعيل الوحيد للأسرة، مشيرة إلى أن أطفالها الصغار باتوا يتحملون أعباء تفوق أعمارهم.

وتضيف: "مع إشراقة كل صباح، يخرج أطفالي لجلب المياه في جالونات صغيرة تناسب أحجامهم، لنوفر احتياجاتنا اليومية في ظل غياب والدهم وآخرين يجمعون الحطب لاستخدامه لطهو الطعام".

وتتابع بحرقة: "نقيم اليوم في خيمة نُصبت قرب منزلنا الذي دمره الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لا نعرف إن كان خالد حيًا أم شهيدًا، وهذا أكثر ما يؤلمنا، نعيش على الأمل فقط".

وتؤكد أنها لم تدخر جهدًا في البحث عن زوجها، إذ توجهت إلى كل جهة ممكنة، وسألت المؤسسات الحقوقية والإنسانية، إلا أن جميع محاولاتها باءت بالفشل.

وتوضح أن سلطات الاحتلال تفرض حظرًا صارمًا على تزويد أي جهة بمعلومات حول معتقلي غزة الذين اعتُقلوا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتضع ملفاتهم ضمن ما تسميه "الملفات السرية"، رافضة التعاون حتى مع المؤسسات الدولية.

خيط أمل

وتشير صبح، إلى أنها تزور بين الحين والآخر مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة، على أمل أن تسمع خبرًا يبدد قلقها، أو يطمئنها على أن زوجها لا يزال على قيد الحياة، لكنها تعود في كل مرة بخيبة أمل جديدة، مضيفة: "نخرج محمّلين بالدعاء، ونعود مثقلين بالانتظار".

أما الأطفال، فهم الضحية الأضعف في هذه المأساة فمحمد (6 سنوات)، وآلاء (5 سنوات)، وملك (3 سنوات ونصف)، وسجى (عامان)، لا يكفون عن السؤال عن والدهم، "متى سيعود بابا؟"، سؤال يتكرر صباحًا ومساءً، عند الاستيقاظ وقبل النوم، دون أن تجد الأم إجابة تشفي قلوبهم الغضة، سوى وعود مؤجلة بأن والدهم معتقل وسيعود قريبًا.

وتخشى الزوجة، أن يكون جيش الاحتلال قد أعدم زوجها أو توفي تحت التعذيب، كما حدث في حالات سابقة، دون أن يعلن عن ذلك رسميًا.

لذلك تتابع صبح، باستمرار قوائم الأسرى المحررين، وتحاول التواصل مع من أُفرج عنهم، لعل أحدهم يكون قد رأى "خالد" أو سمع عنه، في محاولة يائسة لانتزاع أي خيط أمل.

وتأتي هذه الحالة في سياق تصاعد غير مسبوق لجرائم الإخفاء القسري بحق آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقد تفاقمت هذه الجريمة بشكل خاص مع بدء الاجتياح البري للقطاع نهاية أكتوبر 2023، حيث اختُطف واعتُقل آلاف المدنيين، بينهم نساء وأطفال، دون الكشف عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم.

وبحسب تعريف الأمم المتحدة، فإن الإخفاء القسري يحدث عندما يُقبض على أشخاص أو يُحتجزون أو يُختطفون على أيدي جهات حكومية أو بدعم منها، ثم يُرفض الكشف عن مصيرهم أو أماكن وجودهم، أو يُنكر أصلًا حرمانهم من حريتهم، ما يجردهم من حماية القانون، ويجعلهم عرضة للتعذيب والانتهاكات الجسيمة.

وتشير معطيات حقوقية إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تجاوز حاليًا 9300 أسير، من بينهم 115 أسيرًا محكومًا بالسجن المؤبد، و9 أسرى معتقلين منذ ما قبل اتفاق أوسلو عام 1993.

كما أفادت مؤسسات شؤون الأسرى، في تقريرها الصادر نهاية عام 2025، بأن سلطات الاحتلال تحتجز 3350 معتقلًا إداريًا دون تهمة أو محاكمة، إضافة إلى 1220 أسيرًا من غزة مصنفين كـ"مقاتلين غير شرعيين"، بموجب قانون خاص يُستخدم كغطاء قانوني للإخفاء القسري.

ورغم المناشدات الدولية، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يمارس هذه الجريمة بشكل ممنهج، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، بينما تبقى آلاف العائلات الفلسطينية، كعائلة خالد صبح، عالقة بين الألم والانتظار، تبحث عن إجابة واحدة فقط: أين أبناؤنا؟

المصدر / فلسطين أون لاين