ليست كل الحروب جولات نار، بعضُها لحظات كشفٍ تاريخي، الحرب الصهيوأمريكية على إيران لا يمكن قراءتها بمنطق الضربة والرد، ولا في إطار الحسابات العسكرية الضيقة؛ إنها حرب تعريف، تعيد صياغة هوية الصراع نفسه، هل هو صراع حدود أم صراع عقائد؟ أمنٌ قومي أم مشروع لاهوتي مسلّح؟
في قلب هذه العاصفة يقف سؤال الزمن، حين تحدث الشيخ أحمد ياسين عن أفقٍ زمني لزوال الاحتلال، لم يكن يستند إلى حسابات غيبية بقدر ما كان يقرأ قوانين التدافع التاريخي وسُنن التحلل الإمبراطوري، وحين حذّر يحيى السنوار من حرب إقليمية دينية تعيد تشكيل الشرق الأوسط، كان يشير إلى لحظة انفجار التناقض بين مشروعين وجوديين لا يمكن أن يتعايشا طويلًا.
اسم العملية ذاته "درع يهوذا" يُمثّل إعلان صريح عن انتقال المشروع الصهيوني من مرحلة التمويه السياسي إلى العلنية العقائدية، حين تُستدعى الرموز التوراتية إلى مسرح العمليات، نكون أمام حرب هوية لا حرب مصالح فقط، أمام محاولة لإعادة إنتاج الشرق الأوسط على مقاس سردية توراتية مسلّحة.
لكن المفارقة التاريخية أن المشاريع التي تبلغ ذروة يقينها تبدأ في الوقت ذاته رحلة انكشافها، فالتضخم الاستراتيجي كثيراً ما يحمل بذور الانكسار، والهيمنة حين تتحول إلى استعراض قهري تفقد قدرتها على الردع المستدام، من هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام محاولة أخيرة لتثبيت "إسرائيل الكبرى"، أم أمام تسريع موضوعي لمسار التآكل الذي تحدث عنه ياسين، واستشرف مآلاته السنوار؟
هذه ليست حرباً على إيران فحسب؛ إنها اختبار لمستقبل المنطقة لعقود قادمة، إما أن تؤسس لمرحلة إخضاع شامل، أو تتحول -بعكس ما خُطط لها- إلى نقطة انعطاف كبرى في مسار الزوال الصهيوني، والتاريخ حين يدخل طور التحولات الكبرى، لا يطرق الباب مرتين.
من سردية الدفاع إلى حقيقة الهجوم
هذه حرب وُلدت من فائض القوة، فخطاب التهديد النووي لم يكن سوى قشرة دعائية صلبة تخفي تحتها مشروعاً هجومياً مؤجلاً، ينتظر لحظة النضج الجيوسياسي، فلو كان الأمر يتعلق حقاً بدرء خطر داهم، لكانت أدوات الاحتواء الدبلوماسي كافية، خصوصاً في ظل التعهدات والرقابة الدولية، لكن ما جرى يكشف أن الخطر لم يكن سوى شماعة استراتيجية لتعليق قرارٍ اتُّخذ سلفاً.
الكيان يتحرك بدافع خيار إرادي محسوب؛ خيار يندرج ضمن ما يمكن تسميته بعقيدة الضربة المُؤسِّسة، أي الحرب التي تهدف إلى إعادة تعريف البيئة الإقليمية بالقوة، هنا تنتقل الحرب من خانة رد الفعل إلى خانة إعادة هندسة المجال الحيوي، ومن الدفاع الوقائي إلى الهجوم الاستباقي المغلّف بسردية أمنية.
ولا يمكن فصل هذا العدوان عن أزمة البقاء السياسي داخل الكيان، فحين تتآكل الشرعية الداخلية وتتصدع الثقة الشعبية، تصبح الحرب أداة توحيد قسري، ومخرجاً للهروب إلى الأمام، هكذا تتحول الجبهة الخارجية إلى وسيلة لترميم الجبهة الداخلية، وتصبح المنطقة بأكملها رهينة حسابات البقاء في السلطة، إنها حرب إنقاذ سياسي بلباس أمني، ومقامرة كبرى على مستقبل الإقليم.
من "درع يهوذا" إلى "إسرائيل الكبرى"
حين يُختار للحرب اسم "درع يهوذا"، فنحن أمام بيان أيديولوجي معلن، التسمية هنا مفتاح قراءة، إنها إحالة لاهوتية مباشرة، تعلن انتقال المشروع الصهيوني من مرحلة التمويه البراغماتي إلى طور الجهر العقائدي.
لطالما قدّم الكيان نفسه بوصفه كياناً حداثياً عقلانياً تحكمه اعتبارات الأمن والسياسة، غير أن اللحظة الراهنة تكشف انزياحاً خطيراً نحو علنية الميثولوجيا؛ حيث يتقدّم النص الديني ليؤطر القرار العسكري، هذه ليست عودة إلى الجذور بقدر ما هو إعادة تسليح للعقيدة، وتحويلها إلى محرك عملياتي.
فكرة "المجال الحيوي التوراتي" أصبحت إطاراً ناظماً للتفكير الاستراتيجي، ومن النيل إلى الفرات هي تصور جغرافي مؤدلج يعيد تعريف الحدود باعتبارها خطوطاً مؤقتة قابلة للتوسّع.
هنا تتجلى أخطر مراحل الصراع، عسكرة الميثولوجيا، حين يتحول النص إلى خريطة، والعقيدة إلى دبابة، يصبح الصراع وجودياً لا سياسياً فقط، وتتحول الحرب إلى محاولة لفرض قراءة دينية للتاريخ بالقوة المسلحة، إنها لحظة "تديين الجغرافيا"، حيث يُعاد تشكيل المكان وفق سردية خلاصية، لا وفق قواعد القانون الدولي.
حرب تم الإعداد لها منذ عقود
هذه الحرب لم تُصنع في أسابيع، هي تراكم بطيء داخل بنية القرار الأمريكي، عبر عقود جرى ترسيخ انحياز استراتيجي ثابت، حتى بات الدعم غير المشروط جزءً من العقيدة السياسية لواشنطن، الأمر كان نتيجة تغلغل منهجي أعاد صياغة أولويات السياسة الخارجية.
هيمنة التيار الصهيوني على مفاصل القرار كانت مساراً تراكمياً بدأ بالتأثير الناعم وانتهى بالتموضع الصلب داخل دوائر صنع القرار، ومع كل إدارة جديدة كان يتم تثبيت لبنة إضافية في جدار الانحياز، حتى أصبحت المصالح متداخلة إلى حد التماهي.
غير أن التخطيط وحده لا يكفي؛ كان لا بد من انتظار اللحظة المناسبة، لحظة إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وانشغال بعض الدول بأزماتها الداخلية، وتراجع أولويات قوى دولية أخرى، وحين اكتمل المشهد بدا أن النافذة الاستراتيجية قد فُتحت، وأن زمن التنفيذ قد حان.
من هنا يمكن فهم الحرب بوصفها حلقة في مسار أطول لإعادة هندسة الشرق الأوسط، خطوة ضمن مشروع تفكيك وإعادة تركيب، حيث يُعاد رسم خرائط النفوذ، وتُختبر خطوط الردع.
بهذا المعنى، تبدو الحرب ذروة مسار، وحين تبلغ المشاريع ذروتها، يبدأ السؤال الأخطر: هل هذه لحظة التمكين النهائي، أم بداية الانكشاف التاريخي؟
تغيير الأنظمة بالقوة، الكذبة الأمريكية المتجددة
في الخطاب العلني، تُعلن واشنطن أن زمن الحروب الكبرى انتهى، وأن عصر إسقاط الأنظمة بالقوة قد طُوي، لكن في الواقع العملي، يجري تحديث الأدوات، الفارق الوحيد أن الاحتلال الصريح استُبدل بالهندسة من الداخل، وأن الدبابة صارت تسبقها الفوضى وتلحقها العقوبات.
المفارقة أن من يتحدث عن نهاية الحروب هو ذاته من يعيد إنتاجها بأشكال هجينة، من ضغوط اقتصادية خانقة، وعزلة دبلوماسية، وتحريض إعلامي، واستثمار ممنهج في الشروخ الاجتماعية، إنها حرب متعددة الطبقات، تُدار على إيقاعين: نار في الخارج، وارتباك في الداخل، هكذا تُصاغ معادلة الانهاك المركب، حيث يُستنزف النظام سياسياً واقتصادياً وأمنياً في آن واحد.
المشهد ليس جديداً على المنطقة، من بغداد إلى دمشق، ومن كابول إلى طرابلس، تكررت الوصفة ذاتها: شيطنة، حصار، تفكيك تدريجي، ثم الدفع نحو الانفجار الداخلي، اليوم يُراد لإيران أن تدخل المسار نفسه؛ عبر زعزعة البنية السياسية تمهيداً لإعادة رسم الاصطفافات الإقليمية.
الهدف كسر نموذج، فإيران في الحسابات الاستراتيجية، تُمثّل عقدة مركزية في شبكة توازنات إقليمية، تفكيك هذه العقدة يعني إعادة توزيع مراكز القوة في المنطقة، وفتح الباب أمام شرق أوسط منزوع المخالب، مُعاد الضبط على إيقاع الهيمنة.
إيران ليست الهدف الوحيد
من يقرأ الحرب بوصفها مواجهة ثنائية بين كيان وإيران، يخطئ تقدير المشهد، الرسالة أوسع من الجغرافيا الإيرانية؛ إنها رسالة ردع قسرية موجّهة إلى كل عاصمة تفكر خارج الإطار المرسوم لها، الحرب هنا تتحول إلى عرض قوة استعراضي، يُراد له أن يُشاهد ويُفهم ويُترجم إلى اصطفافات جديدة.
المعادلة التي يُراد تكريسها واضحة، من لا يخضع طوعاً سيُخضع قسراً، هذا منطق استعماري مُحدّث، والمطلوب إعادة تعريف حدود المسموح والممنوع في القرار السيادي لدول المنطقة.
في هذا السياق، يصبح استهداف إيران جزءً من معركة أوسع ضد منظومة الردع الإقليمية، فمحور المقاومة -بتشكيلاته المتعددة- يمثل عائقاً أمام التفرد الصهيوني، وكسره أو تفكيكه يعني فتح المجال أمام تفوق أحادي بلا كلفة استراتيجية تُذكر.
المشاهد من الواقع تؤكد ذلك: تصعيد متزامن على أكثر من جبهة، رسائل نارية إلى أطراف متعددة، ومحاولات اختبار لخطوط الاشتباك في البحر والبر والجو، إنها سياسة الضغط متعدد الاتجاهات، حيث يُدفع الجميع إلى حافة الاختبار، والغاية النهائية فرض شرق أوسط خاضع لإرادة القوة الصهيونية؛ شرق أوسط منزوع الإرادة، يُدار بمنطق الردع الدائم، لا التوازن المتبادل.
2027 بين النبوءة والتحول التاريخي
حين تحدّث الشيخ أحمد ياسين عن أفق زمني لزوال الاحتلال، لم يكن يقدم تاريخاً مقدساً بقدر ما كان يقرأ منحنى المواجهة، كان ينطلق من قناعة بأن الكيانات المصطنعة التي تعيش على فائض القوة لا تصمد حين يتآكل هذا الفائض، فالتاريخ -في منطقه العميق- لا يمنح الشرعية الدائمة لمشاريع الإحتلال.
وفي السياق ذاته، جاء استشراف يحيى السنوار عن حرب إقليمية دينية تعيد تشكيل الشرق الأوسط، ليضع قواعد المواجهة في إطارها الوجودي الأوسع، فالمسألة أصبحت تصادم سرديات كبرى، سردية تعتبر نفسها امتداداً لنص مقدس، وأخرى ترى في المقاومة فعل بقاء.
السؤال الجوهري اليوم: هل نحن أمام حرب تثبيت الهيمنة -محاولة أخيرة لإعادة فرض التفوق المطلق- أم أمام معركة التسريع نحو السقوط؟
التاريخ مليء بنماذج قوى بلغت ذروة تمددها فبدت عصية على الكسر، لكنها في لحظة الغطرسة ذاتها بدأت دورة الانحدار.
2027 في هذا السياق، يُمثّل رمزاً لمرحلة، مرحلة يُختبر فيها صلابة المشروع الصهيوني أمام استنزاف متعدد الجبهات، ويُختبر فيها أيضاً وعي المنطقة بقدرتها على كسر معادلة الإخضاع.
فإما أن تُنتج هذه الحرب شرقاً أوسطاً مُدجّناً، وإما أن تكون -بعكس ما خُطط لها- لحظة الانعطاف الكبرى في مسار الزوال، والتاريخ حين يدخل مدار التحولات العميقة، لا يعمل بالصدفة، إنّه يعمل بقوانين التراكم والانفجار
لحظة الفرز التاريخي
ليست المسألة حرباً عابرة تُطوى مع بيانات وقف إطلاق النار، ولا جولةً يمكن احتواؤها ضمن توازن الردع التقليدي، نحن أمام لحظة فرز تاريخي تعيد تعريف طبيعة الصراع وحدوده وأفقه الزمني، فالحرب التي كُشفت فيها العقيدة بلا أقنعة، وتقدّم فيها اللاهوت على الدبلوماسية، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بقدر ما هي اختباراً لبنية المشروع الصهيوني نفسه.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة تجاوز صياغة من يربح الجولة؟ إلى: أيّ مشروع يملك قابلية البقاء؟
هل تستطيع "إسرائيل الكبرى" -بوصفها حلماً توراتياً مسلحاً- أن تتحول إلى واقع دائم؟ أم أنّ اندفاعها التوسعي سيعجّل ببدء دورة التآكل التي تحدث عنها الشيخ أحمد ياسين، واستشرف مآلاتها يحيى السنوار؟
التاريخ لا يُسقط المشاريع في لحظة، هناك فصول تمر بها إلى أن تتراكم تناقضاتها حتى تنفجر من داخلها، وإذا كانت هذه الحرب محاولة لتثبيت الهيمنة بالقوة العارية، فقد تكون الشرارة التي تكشف حدود تلك القوة.
نحن إذن أمام مفترق طرق: إما شرق أوسط يُعاد تشكيله بمنطق الإخضاع الدائم، وإما بداية مسارٍ طويل يعيد تعريف موازين القوة ويكسر احتكار القرار.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: هل دخلنا مرحلة الزوال الصهيوني؟
السؤال الذي يُعبر أكثر عن الواقع الحالي: هل بدأت شروطه التاريخية تنضج على مرأى العالم؟
الجواب سيُكتب بنتائج هذه الحرب، والتاريخ -حين يُمتحن- لا يجامل أحداً.

