خلصت ورقة بحثية إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تتجه نحو تعميق منطقة "تشريع الاستثناء" بوصفه بنية قانونية دائمة لا مجرد إجراء ظرفي فيما يتعلق بالأسرى الفلسطينيين الذين تضاعفت أعدادهم منذ الإبادة الإسرائيلية أكتوبر 2023.
وأوضحت الورقة البحثية الصادر عن (المركز الفلسطيني للدراسات السياسية)، اليوم السبت، أن مفهوم "المقاتل غير الشرعي" شكّل الأساس القانوني الذي سمح بإنتاج فئات هجينة خارج التصنيفات التقليدية في القانون الدولي الإنساني، وقد رافق ذلك انتقال من إدارة الفعل الأمني إلى إدارة "الحالة الأمنية الدائمة" للمعتقل الفلسطيني.
وتطرقت إلى توسعت سياسات الاعتقال الاستثنائي، بما في ذلك الاعتقال الإداري وتقييد الضمانات القانونية وتقليص الرقابة الدولية، وفي موازاة ذلك، برز اتجاه نحو هندسة محاكم استثنائية وتوسيع منطق العقوبة الردعية ذات البعد السياسي.
وأشارت إلى أن هذه التحولات تعيد تشكيل وظيفة القانون داخل الصراع ليصبح أداة إدارة وليس مجرد إطار ضابط له، وخلصت إلى استمرار هذا المسار يهدد بتآكل تدريجي في منظومة القانون الدولي الإنساني عبر توسيع مناطق الاستثناء داخله.
وبحسب الورقة فإن الإبادة الإسرائيلية على غزة أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحول مفصلية في هذا السياق، ليس فقط على مستوى حجم الاعتقالات أو طبيعة الإجراءات المتخذة بل على مستوى البنية المفاهيمية التي تُعرَّف من خلالها فئة الأسرى أنفسهم.
وبرزت في هذا السياق مؤشرات على انتقال تدريجي من إدارة الملف ضمن منطق "الاستثناء الإجرائي" إلى توظيف أكثر عمقًا لما يمكن تسميته بـ"تشريع الاستثناء"، أي تحويل التدابير الاستثنائية من أدوات ظرفية إلى مكونات مستقرة داخل البنية القانونية والأمنية.
واستدلت بمفهوم "المقاتل غير الشرعي" الذي وظفته سلطات الاحتلال بحق الأسرى بعد السابع من أكتوبر، ونوهت إلى أن هذا المفهوم هو أحد التحولات المفصلية في البنية القانونية الإسرائيلية الخاصة بإدارة الصراع، حيث تم تقنينه لأول مرة بشكل مباشر عبر قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002، الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي في سياق ما بعد الانتفاضة الثانية وتصاعد العمليات المسلحة.
وقانونيا، أسّس هذا التشريع لفئة تقع خارج التصنيفات التقليدية في القانون الدولي الإنساني، إذ لا تُعامل ضمن أحد الأطر الثلاثة الأساسية التالية: أسير حرب وفق اتفاقيات جنيف الثالثة، مدني مشمول بالحماية العامة وفق اتفاقيات جنيف الرابعة، أو متهم جنائي يخضع لإجراءات قضائية عادية.
وبدلًا من ذلك، أنشأ القانون وضعًا قانونيًا ثالثًا يقوم على منطق "الاحتجاز الوقائي الأمني طويل الأمد"، حيث يُسمح باحتجاز الأفراد بناءً على ما يُعرف بـ"الأساس المعقول للاعتقاد بالمشاركة في أعمال عدائية"، دون اشتراط توجيه تهمة جنائية مكتملة أو محاكمة تقليدية.
ويستند هذا الإطار إلى مجموعة من الآليات الجوهرية، أبرزها: الاحتجاز غير المحدد زمنيًا مع إمكان التمديد القضائي الدوري، تقليص معايير الإثبات التقليدية لصالح تقديرات أمنية استخبارية، تقييد حق الوصول الكامل إلى الأدلة بحجة السرية الأمنية، تعزيز دور الأجهزة التنفيذية (الجيش والشاباك) في تحديد شروط الاحتجاز واستمراره.
وبذلك، لا ينتج القانون مجرد استثناء إجرائي، بل يُنتج وضعًا قانونيًا هجينًا يجمع بين الطابع الإداري والقضائي والأمني في آن واحد.
وتوصلت الورقة البحثية إلى أنه يمكن القول أن مصطلح "المقاتل غير الشرعي" لا يمثل مجرد مفهوم قانوني، بل يشكّل نقطة الانطلاق لتطور منظومة قانونية أمنية متكاملة أعادت تعريف العلاقة بين القانون والحرب في السياق الإسرائيلي.
وما يجعله محوريًا في هذه الورقة هو أنه: أسّس لفكرة الفئة خارج الحماية التقليدية ومهد لتوسيع الاستثناء بعد 7 أكتوبر، وأصبح المرجع الضمني لإعادة تشكيل سياسات الاعتقال والتصنيف القانوني.
وشهدت المرحلة التي أعقبت 7 أكتوبر 2023 تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات السياسية والقانونية داخل الكيان الإسرائيلي حول مستقبل منظومة المحاكم المخصصة للملفات المرتبطة بالحرب، بما يعكس اتجاهًا متناميًا نحو إعادة تشكيل وظيفة القضاء العسكري والأمني في إدارة الصراع.
وتوصلت الورقة البحثية إلى أن التحولات المرتبطة بالمحاكم الاستثنائية والعقوبات القصوى لا تمثل مجرد تشدد في السياسة القضائية، بل تعكس إعادة تعريف تدريجية لوظيفة العدالة داخل سياق الصراع.
وقالت إنه بدلا أن تكون العدالة إطارًا لتنظيم العلاقة بين الفعل والعقوبة، تتحول تدريجيًا إلى أداة ضمن منظومة أوسع للردع وإدارة الصراع، بما يضع الأسير في موقع يتجاوز البعد القانوني ليصبح عنصرًا داخل هندسة القوة السياسية والأمنية.
وفي ضوء التحليل الذي قدمته الورقة، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج التي تعكس طبيعة التحول الجاري في المقاربة القانونية الإسرائيلية لملف الأسرى الفلسطينيين:
يشهد النظام القانوني الإسرائيلي تحولًا تدريجيًا من إدارة الأسير الفلسطيني ضمن الأطر التقليدية للقانون الدولي الإنساني إلى إعادة تعريف موقعه القانوني ذاته بما يضعه في فئة استثنائية أو هجينة خارج التصنيفات المعيارية المستقرة.
يمثّل مفهوم "المقاتل غير الشرعي" نقطة الارتكاز البنيوية في هذا التحول، إذ وفّر الإطار القانوني الذي سمح بتوسيع نطاق الاستثناء، وتحويله من حالة محدودة إلى بنية قانونية قابلة للتوسع والاستدامة.
لم يعد القانون في هذا السياق إطارًا محايدًا لتنظيم العلاقة بين منظومة الحكم والأفراد، بل بات يُستخدم بوصفه أداة مدمجة في المنظومة الأمنية والعسكرية لإدارة الصراع وإعادة تشكيل قواعده.
توصيات
وفي الختام، أوصت الورقة البحثية إلى الانتقال من التعاطي التراكمي مع ملف الأسرى إلى بناء منظومة فلسطينية قانونية–مؤسسية دائمة، تُدار برؤية موحدة تجعل من الملف قضية قانون دولي إنساني قابلة للتقاضي المنهجي أمام المحافل الدولية.
تطوير منظومة توثيق احترافية موحدة تعتمد معايير الإثبات القانونية الدولية، بما يضمن تحويل الشهادات الفردية إلى ملفات قضائية متكاملة قابلة للاستخدام أمام المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة.
بناء سردية قانونية مضادة لمفهوم "المقاتل غير الشرعي" ومنطق الفئات خارج التصنيف، عبر التأكيد على انطباق الحد الأدنى من الحماية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني على جميع فئات المعتقلين في سياق النزاع، ورفض أي محاولات لإخراجهم من الإطار القانوني الدولي.
تعزيز الحضور الفلسطيني داخل شبكات القانون الدولي والحقوقي من خلال شراكات استراتيجية مع منظمات حقوق الإنسان والنقابات القانونية والبرلمانات المؤثرة، بما يرفع من مستوى الضغط القانوني الدولي ويحول الملف إلى قضية متابعة مستمرة.
إعادة صياغة الخطاب الإعلامي والحقوقي المتعلق بالأسرى ليصبح خطابًا قانونيًا–حقوقيًا منضبطًا، يتجاوز السرد العاطفي إلى تثبيت الأساس القانوني لوضع الأسرى كفئة محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ومواجهة محاولات تحويلهم إلى مجرد ملف جنائي أمني.
تعزيز وحدة المرجعية الفلسطينية الناظمة لملف الأسرى عبر دمج الجهود المؤسسية المختلفة، بما يضمن تقليل التشتت ورفع كفاءة العمل القانوني والإعلامي والحقوقي.
تطوير كوادر قانونية فلسطينية متخصصة في القانون الدولي الإنساني والتقاضي الدولي وآليات المحاكم الدولية، بما يضمن استدامة العمل ورفع قدرته على التعامل مع الملفات المعقدة.
إدماج ملف الأسرى بصورة مركزية في أي مسار سياسي أو تفاوضي مستقبلي باعتباره ملفًا قانونيًا–سياديًا، مع تثبيت مبدأ أن التبادل أداة ضمن إدارة الصراع وليس امتيازًا استثنائيًا يمكن تقييده بمنطق أحادي.

