فلسطين أون لاين

فقدت زوجها وعشرة من أبنائها...

تقرير مائدة إفطار بمقعدين فقط… هكذا صمتت مائدة سمر الفرا

...
مائدة إفطار بمقعدين فقط… هكذا صمتت مائدة سمر الفرا
غزة/ يحيى اليعقوبي:

لم يبقَ على مائدة الإفطار سوى مقعدين. أحدهما لسمر الفرا، والآخر لابنها الوحيد عبد الله (17 عامًا). أما المقاعد الأحد عشر التي كانت تضج بالضحكات وأصوات الأطفال وتلاوة القرآن، فقد غابت دفعة واحدة.

في لحظة واحدة فقدت سمر زوجها وعشرة من أبنائها، ولم ينجُ من العائلة سوى عبد الله. اختفت الأصوات التي كانت تملأ البيت حياة، وحلّ صمت ثقيل مكانها. نجت من القصف، لكنها لم تنجُ من قسوة الفقد؛ إذ لم تسمح ظروف الحرب حتى بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على من رحلوا. وكأن الفاجعة لم تكتمل بعد، فقد لحق بهم جنينها بعد أيام قليلة من ولادته، ليترك قلب أم يواجه فراغ بيت كان يومًا عامرًا بالحياة.

طالع المزيد: مفقود منذ 19 شهرًا… صورة صادمة تُشعل وجع عائلة شراب

كما لم تحظَ الفرا بفرصة وداع زوجها ونجلها إبراهيم لحظة القصف، أو وداع نجلها بسام الذي نقل مصابًا إلى المشفى واستشهد بعد أيام قضاها بالعناية المكثفة، ولم تودع جنينها بعد الولادة، ولم تلقِ نظرة وداع على رفاة بقية أبنائها الشهداء عند انتشالهم في 7 مارس/ آذار 2024، فكانت تمنعها الطائرات أو الإصابة أو الحصار من المشاركة في جنازاتهم.

لحظة القصف

بدأت المأساة صباح 14 ديسمبر/ كانون الثاني 2023 في خان يونس البلد، حين خرج صبري الفرا (51 سنة) مع جاره لمشاهدة آثار قصف قريب. شعرت سمر الفرا (39 سنة) أن شيئًا ما حدث له، فخرجت على باب المنزل، ورافقها نجلاها عبد الله (17 سنة) وبسام (21 سنة)، إضافة إلى اثنين من أبناء شقيق زوجها، ليتعرضوا للقصف. بقيت سمر تنتظر عودة أحدهم.

عاد عبد الله إلى أمه، وكانت عيناه تصف ثقل اللحظة وهو يرتجف ويغمره الغبار، قائلاً: "يما، أبي استشهد". لم تستوعب سمر هذه الصدمة.

تروي سمر لصحيفة "فلسطين": "لحظة قصف زوجي كنت حاملاً في نهاية الشهر الثامن، واطمأنت عليه لأتأكد بنفسي، فوجدته ملقى على الأرض شهيدًا مع جارنا، وابن 'سلفي' مصابًا. طلبت من عبد الله سحبه ووضعه على الدرج خوفًا من القصف من الطائرات. طلب شربة ماء، أحضرت له كأسًا لم يستطع شربها فساعدته على ذلك".

ثم وقع الصاروخ على المنزل، ووجدت نفسها بين ردم وغبار، ووميض صاروخ ودخان يملأ المكان. عند انقشاع الدخان، كان منزلها المستهدف يحتوي على ثمانية من أولادها كومة من الركام، ولم يبقَ لهم أي أثر.

طالع المزيد: عامان من الغياب.. أمّ في غزة تبحث عن مصير ابنها حسن
 

صمت مطبق

قالت الفرا لعبد الله: "روح شوف حد من أخوتك عايش"، فذهب وعاد بفاجعة أخرى: "ما لهم حس". للحظة ظلّ الصمت مطبقًا، بينما كان عبد الله يبحث عن أي ناجٍ، تتبعه والدته لمساعدته في إزالة الركام، ليتمكنوا من إخراج نجلها إبراهيم المصاب، لكنه استشهد لاحقًا بعد فشل نقلهم بسبب اشتداد القصف.

وجاءت الصدمة الأكبر حين نقلت الفرا للمشفى الأوروبي بعد القصف، ووجدت رضوضًا قوية بقدميها، لتلتزم الفرا الفراش لشهر كامل قبل ولادتها لطفلها الأخير، الذي توفي بعد عشرة أيام من ولادته، متأثرًا بالقصف أثناء وجوده بالحضانة.

ذكريات وأحلام راحلة

قبل المجزرة، كانت لحظات الخوف تملأ البيت مع اشتداد القصف، بينما كانوا يتلون القرآن الكريم ويدعون الله. تظل هذه المشاهد عالقة في ذاكرة سمر، خاصة في الخيمة على شاطئ بحر خان يونس، حيث تجلس اليوم على مائدة إفطار تخلو من 11 مقعدًا، وحيدة هي ونجلها عبد الله.

تصف الفرا أحلام أبنائها الذين رحلوا قائله: بسام (20 عامًا): البكر، طيب وحنون، ملتزم بصلاة الجماعة، جاء قبل استشهاده مودعًا والدته، أما نجوى (18 عامًا): كانت تدرس الثانوية العامة، موهوبة بالرسم، وحلمها أن تصبح مصممة أزياء، بينما سلوى (14 عامًا): كانت تحفظ القرآن وتتمتع بالنشاط والحيوية، كما كانت دينا (12 عامًا): شعلة نشاط متفوقة، حلمها أن تصبح طبيبة، لم يتبقَ منها سوى بعض الرفات.

ChatGPT Image 10 مارس 2026، 08_00_56 م.png
سلوى (14 عامًا): كانت تحفظ القرآن، كما كانت دينا (12 عامًا): شعلة نشاط متفوقة، حلمها أن تصبح طبيبة

وتضيف أن إبراهيم (8 سنوات): فقد حياته بعد إصابته بالقصف، وكان يحب الشطرنج وحاصلًا على دروع تكريم، أما علي (6 سنوات) ويُسرى (5 سنوات): لم يبق منهما شيء، وكانت يسرى متفوقة ومتميزة بخطها الجميل، بينما ناصر (4 سنوات) وإحسان (عامين ونصف) وجنينها الأخير: لم يسلموا من القصف، توفي الجنين بعد عشرة أيام من ولادته.

ووصفت الفرا زوجها صبري الفرا بأنه "طيب وحنون، يتحلى بالصدق والمسؤولية"، وتقول: "ربنا اصطفاهم شهداء، أرواح نقية لم تعرف خبث الحياة، حياتهم كانت قرآن ودراسة وكل وقتي في تعليمهم. مر أكثر من عامين على رحيلهم، وكأني فقدتهم للتو".

وعاشت سمر الفرا واحدة من أكثر القصص الإنسانية مأساوية، لتواجه وحدتها على ذكريات عائلتها: "عندما يكون ابني عبد الله بالعمل، أحمل طعامي وأذهب للإفطار عند الجيران، لا أجلس بمفردي، لأنني أظل أتخيلهم أمامي وأرى صورهم، خاصة في آخر رمضان جمعني بهم قبل الحرب، وكنا نتشارك في إعداد المائدة ونقيم الليل جماعة في المنزل، إذ كانوا أصحاب همم عالية"، ختمت بدموع خنقت صوتها.

المصدر / فلسطين أون لاين