منذ ستينيات القرن الماضي، عندما لاحق الإسرائيليون علماء ألمانيين، واصلوا الطريق حتى اغتيال قائد كتائب القسام، فإن إستراتيجية الاغتيال للقادة والعلماء سرًّا وعلانيةً لم تنقطع، ولا مجال للمقارنة بين الإنجازات الإسرائيلية والإنجازات العربية في هذا الصراع. ولكن ما هي الفكرة أو التصور الإسرائيلي وراء فلسفة هذا التكتيك الصراعي؟ يغتالون القادة بالسم أو الحقن أو الرصاص أو القصف الجوي، وأعداد القادة الذين اغتالتهم إسرائيل يكاد أن يكون من غير الممكن تعدادهم، من علماء ومفكرين وزعماء سياسيين ورؤساء... إلخ.
إن التراث اليهودي غذّى ويغذّي ثقافة التآمر في العقل الصهيوني، فأولاد يعقوب تآمروا على اغتيال أخيهم الصغير، بل إن الله الذي ظهر في هيئة مصارع طلب من يعقوب إطلاق سراحه، لكن يعقوب رفض إلا مقابل منحه البركة (سفر التكوين - الإصحاح 32)، وتتكرس هذه الصورة في مطاردة اليهود لكل خصومهم المعاصرين، بدءًا من جلب آيخمان، وتكريس فكرة معاداة السامية للاستغلال السياسي، وصولًا إلى اغتيال من يستشعرون احتمال خطره، كما فعلوا مع جون كينيدي بعد اهتمامه بتفاصيل المشروع النووي الإسرائيلي.
يعتقد المخططون الإسرائيليون بأن المنطقة العربية محكومة بالدور الكبير لثقافة "البطل"، فإذا تبنى هذا البطل موقفًا استراتيجيًا ضد إسرائيل، فإن التخلص منه يعني زرع الإحباط والفشل في القوة التي يمثلها هذا البطل، "الحقيقي أو حتى المزعوم". فأغلب الدراسات الإسرائيلية للمجتمع العربي تنظر إلى نظم الحكم على أنها نظم "شخصية"، مرهونة لإرادة فرد، فإذا كان هذا الفرد متناغمًا في استراتيجيته الكبرى مع المشروع الصهيوني، تركناه، بل ودعمناه أو "راقبناه فقط"، أما إذا كان معاديًا –بغض النظر عن مستوى عقلانيته في إدارة الصراع– فلا بد من التخلص منه.
ويعتقد المخططون الإسرائيليون أن مراقبة التاريخ العربي تشير إلى:
1- إن تغييب الحاكم يعني تغير السياسة العامة للدولة، فالسياسة في المجتمع العربي هي رؤية فردية، وليس للمؤسسات أي وزن إلا لتسيير الشأن اليومي التكتيكي، وليس لتطبيق استراتيجيات منبثقة من رؤية عامة. ويكفي النظر إلى أغلب الدول العربية، ومقارنة مستوى التحول (عبد الناصر والسادات، صدام ومن قبله ومن بعده، حافظ الأسد وابنه ومن قبلهم ومن بعدهم... إلخ من القائمة الطويلة في العالم العربي). ذلك يعني أن الاغتيال ينطوي على احتمال كبير بتغيير استراتيجية الدولة بشكل كامل. ويكفي ملاحظة أن كل الزعماء العرب، بدون استثناء، كانوا حتى عام 1967 يعلنون العداء التام لإسرائيل ويعتبرونها خطرًا، وحين بدأ تواري هؤلاء الزعماء واحدًا تلو الآخر، توارت سياسات الأنظمة الرسمية إلى حد بلوغ قدر من التنسيق مع إسرائيل والانفتاح، بل واعتبار العداء لها "غباءً أو تهمةً سياسية".
بناءً على ما سبق، لا بد من تغيير من يعادي إسرائيل من الحكام، لأن تغييره سيعيد بوصلة الدولة كلها إلى اتجاه آخر، فاختفاء البطل، "صادقًا أو كاذبًا في بطولته"، يعني اختفاء استراتيجيته برمتها.
2- الخطأ الذي ترتكبه إسرائيل هو إغفال الوجدان الشعبي واللاوعي الجمعي المختزن عن صورة اليهودي في المجتمع العربي من ناحية، وعن تعزيز هذه الصورة بمجمل سياسات إسرائيل الحالية من ناحية أخرى. فأغلب الدول العربية تعرضت للاعتداء من إسرائيل، من تونس إلى ليبيا إلى السودان ومصر واليمن والعراق وسوريا والأردن وقطر ولبنان... إلخ، كما أن تنكرها لأغلب ما يتم الاتفاق عليه معها من اتفاقيات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو تقنية يعزز هذه الصورة التاريخية المستقرة في الوجدان، بل إن السلوك الإسرائيلي العدواني مع الفلسطينيين أيقظ الصورة التاريخية اليهودية، وعزز تنامي الوجدان الديني، إذ إن صورة اليهود السلبية في النص القرآني تجد ما يعززها في السلوك الإسرائيلي الميداني الراهن.
إن الخطأ الذي ترتكبه بعض السياسات العربية هو فصلها بين إسرائيل وتنامي الظاهرة الدينية، فكل اقتراب من إسرائيل يتضمن في جوهره "التعالي" على وجدان اجتماعي تاريخي عميق. ونحن هنا لا نتناول البعد الميتافيزيقي للجانب الديني، بل الخبرة الإنسانية الإسلامية مع اليهود وتجلياتها الحاضرة في السلوك الإسرائيلي.
ذلك يعني أن تكريس الصورة التاريخية من خلال العدوانية الإسرائيلية لن يتغير لمجرد قتل "البطل" المنتمي لهذا الاتجاه. ففي العالم العربي، الذي طفت فيه طولًا وعرضًا، بل وعايشته طيلة عمري، لفت انتباهي أن المواطن العادي، إذا أراد التعبير عن شخصية سلبية جدًا ومخادعة، قارنه مباشرةً بنموذج الخداع، وهو "اليهودي". فصورة إسرائيل المعاصرة هي نفس صورة "إسرائيل-يعقوب"، والد الذين ألقوا أخاهم في "غياهب الجب"، وخيبر... إلخ.
3- يبدو أن مرحلة ما سُمّي بـ"الربيع العربي" عززت لدى إسرائيل والولايات المتحدة فكرة اغتيال الزعماء، إذ إن انهيار النظام السياسي في الدول العربية مرتبط بغياب "الزعيم"، فانهار نظام القذافي ومبارك وعبد الله صالح والبشير والأسد وصدام... إلخ. فاعتقد أبناء "يعقوب" أن قتل خامنئي سيفتح للشارع الإيراني بوابة التمرد، وينهار النظام، لكني كنت على قناعة بفشل هذا التصور، فالثورات بمعناها الدقيق تختلف عن الانقلابات، كما أن مستوى النضج السياسي في النخبة قادر على استيعاب الصدمات، وهو ما اتضح تمامًا في إيران وحزب الله وحماس، رغم هول الصدامات القيادية في كل منها.
إسرائيل لا تريد إدراك أن الأثر الإنساني والأخلاقي والديمومة الكيانية هو ما جعل أثينا تحتل متن النص التاريخي اليوناني، بينما توارت إسبارطة في هوامش كتاب التاريخ... ربما.

