في لحظةٍ تاريخية يفترض فيها أن ينتصر الضمير الإنساني على لغة القوة، يبدو أن العالم يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحل الانكشاف الأخلاقي والسياسي وضوحًا منذ عقود طويلة. فالحرب على غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صدقية المنظومة الدولية التي طالما رفعت شعارات العدالة وحقوق الإنسان وحماية المدنيين.
لكن ما يحدث على أرض الواقع يكشف صورة مختلفة تمامًا.
فبينما تُباد أحياء كاملة، وتُقصف المستشفيات ومراكز الإيواء، ويُدفع ملايين البشر نحو الجوع والنزوح والخوف، يخرج ما يُسمّى "مجلس السلام" بخطابٍ يركّز على ما تبقى من سلاح في غزة باعتباره العقبة الأساسية أمام الاستقرار، وكأن أصل المأساة ليس الاحتلال والحصار والحرب، بل مجرد وجود شعب ما زال يرفض أن يستسلم بالكامل.
إن هذا الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد موقف سياسي عابر، بل يمثل عملية شرعنة سياسية للحرب ذاتها، لأنه يعيد صياغة المشهد بطريقة تنقل مركز الاتهام من القوة العسكرية التي تمارس القتل والتدمير، إلى الضحية التي تحاول البقاء على قيد الحياة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فحين يصبح الحديث الدولي منصبًا على وسائل دفاع الضحية أكثر من تركيزه على المجازر نفسها، فإننا نكون أمام اختلال أخلاقي عميق داخل بنية النظام السياسي الدولي.
لقد تجاوز عدد الشهداء في غزة خلال هذه الحرب سبعين ألف شهيد، في حين تجاوز عدد الجرحى والمصابين مئة وسبعين ألفًا، إضافة إلى آلاف المفقودين تحت الركام، وآلاف الأسرى والمعتقلين الذين امتلأت بهم السجون خلال شهور الحرب الأخيرة.
ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الحجم الهائل من الدم والدمار كافٍ لإقناع بعض القوى الدولية بأن جذور الأزمة تكمن في استمرار الاحتلال وسياسات الحصار والقوة المفرطة، لا في إرادة شعب يرفض الانكسار الكامل.
إن أخطر ما في بعض الخطابات الدولية أنها تحاول إعادة تعريف الضحية نفسها.
فبدل أن يُنظر إلى غزة باعتبارها مدينة منكوبة تتعرض لحرب استنزاف شاملة، يجري تقديمها أحيانًا باعتبارها "مصدر تهديد" ينبغي تجريده من كل عناصر القوة، حتى لو بقي الاحتلال قائمًا بكل أدواته العسكرية والسياسية والأمنية.
وفي أي منطق سياسي أو أخلاقي يمكن أن يُطلب من شعبٍ محاصر، مدمر، جائع، يعيش داخل الخيام وتحت القصف المستمر، أن يتخلى عن آخر ما يعتقد أنه وسيلة لحماية وجوده وكرامته؟
إن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال عبر التاريخ لم تكن تنظر إلى أدوات المقاومة باعتبارها مجرد وسائل عسكرية، بل باعتبارها تعبيرًا عن رفض الإلغاء الكامل والخضوع المطلق.
ولهذا فإن الحديث عن نزع سلاح غزة دون أي مسار واضح لإنهاء الاحتلال أو ضمان الحقوق السياسية والإنسانية للفلسطينيين، لا يبدو مشروع سلام حقيقي، بل يبدو أقرب إلى محاولة هندسة هزيمة سياسية شاملة تحت عناوين دبلوماسية ناعمة.
لقد تحولت غزة خلال هذه الحرب إلى واحدة من أكبر ساحات الانهيار الإنساني في العصر الحديث.
مدينة كاملة أُنهكت: البنية التحتية دُمّرت، المستشفيات خرجت عن الخدمة، الجامعات أُزيلت، الأحياء السكنية سُحقت، ومئات آلاف العائلات فُرض عليها النزوح المتكرر في ظروف أقرب إلى الكارثة الإنسانية المفتوحة.
بل إن الحرب تجاوزت استهداف الإنسان إلى استهداف معنى الحياة ذاته: الغذاء، الماء، الاقتصاد، الذاكرة، والاستقرار النفسي والاجتماعي.
ومع كل هذا الخراب، ما يزال جزء من الخطاب الدولي يتحدث عن "أمن" القوة العسكرية أكثر من حديثه عن حق المدنيين في النجاة.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة: أن المؤسسات التي تتحدث باسم السلام لم تستطع وقف المجازر، ولا منع التجويع، ولا حماية الأطفال والنساء والنازحين، لكنها تتحرك بقوة حين يتعلق الأمر بالضغط على الطرف الأضعف.
وكأن المطلوب من غزة ألا تبحث عن الحياة بكرامة، بل فقط أن تتوقف عن إرباك العالم بصمودها.
لكن التاريخ أثبت دائمًا أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلامًا مستدامًا.
فالسلام الذي يُبنى فوق الركام، ويُفرض بالقوة، ويُطلب فيه من الضحية وحدها أن تدفع الثمن الكامل، ليس سلامًا حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة فوق جرح مفتوح.
أما السلام الحقيقي، فهو الذي يبدأ بالعدالة، ووقف الاحتلال، واحترام إنسانية الشعوب، والاعتراف بحقها الطبيعي في الحرية والحياة والكرامة.
ولهذا ستبقى غزة، رغم الدم والدمار والحصار، شاهدًا حيًا على أزمة الضمير السياسي الدولي، وعلى حجم الهوة بين الشعارات التي تُرفع باسم السلام، والواقع الذي يُترك فيه الإنسان وحيدًا تحت القصف والجوع والخذلان.

