فلسطين أون لاين

أين صوت الوسطاء؟

منذ الإعلان عن الاتفاق الأخير، حاول أهل غزة أن يتشبثوا بأي خيطٍ يقود إلى الحياة. لم يكن الناس هنا يبحثون عن رفاهية سياسية، ولا عن انتصارٍ إعلامي، بل كانوا يريدون شيئًا واحدًا فقط: أن يتوقف الموت قليلًا.

حين خرج الوسطاء إلى العالم يتحدثون عن الضمانات والتفاهمات والالتزامات، صدّق الناس – ولو على استحياء – أن هذه المرة قد تكون مختلفة. الأمهات اللواتي أثقلهن الفقد تمنين أن يمر يوم دون وداع جديد، والآباء الذين هدمت بيوتهم بدأوا يتحدثون عن ترميم ما تبقى من جدرانهم، أما الأطفال الذين اعتادوا النوم على أصوات الطائرات، فقد حلموا أخيرًا بليلة هادئة لا توقظهم فيها الانفجارات.

لكن غزة، التي تعلمت من التجارب القاسية أكثر مما تعلمته من كتب السياسة، كانت تدرك في داخلها أن الطريق ما زال هشًا، وأن الاتفاقات التي لا يحرسها موقف حقيقي قد تتحول في أي لحظة إلى مجرد أوراق بلا قيمة.

ولم يطل الوقت كثيرًا حتى عادت الحقيقة الثقيلة لتفرض نفسها من جديد.

عاد القصف،

وعادت صور الشهداء،

وعادت الخيام تمتلئ بالحزن والجوع والخوف،

وكأن كل تلك الاجتماعات الطويلة لم تكن إلا استراحة قصيرة بين موجتين من النار.

والمؤلم أن أعداد الضحايا بعد الاتفاق الأخير لم تكن قليلة أو هامشية يمكن تجاوزها بصمت. فبحسب تقارير إعلامية وحقوقية متعددة، استشهد مئات الفلسطينيين منذ بدء سريان التفاهمات الأخيرة، في مشهد أعاد إلى أذهان الناس حجم الهوة بين ما يُقال في الغرف السياسية، وما يحدث فعلًا على الأرض.

غزة اليوم لا تتحدث بلغة السياسة وحدها، بل بلغة الألم أيضًا.

فالناس هنا لم يعودوا يفهمون كيف يمكن لاتفاقٍ يُعلن أمام العالم كله أن ينهار بهذه السرعة، بينما يقف الوسطاء في حالة صمتٍ ثقيل، وكأن ما يجري لا يعنيهم.

ما قيمة الوساطة إذا كانت عاجزة عن حماية المدنيين؟

وما معنى “الضامن” إذا كانت الدماء تعود بعد أيام قليلة من توقيع التفاهمات؟

إن أخطر ما يحدث في غزة اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل انهيار الثقة أيضًا.

حين يفقد الناس ثقتهم بالاتفاقات، تصبح كل جولة تفاوض مجرد محاولة لتأجيل الانفجار لا أكثر. وتتحول الكلمات الكبيرة مثل “التهدئة” و”الضمانات الدولية” إلى عبارات باردة لا تستطيع أن تحمي طفلًا من القصف، ولا أمًا من الفقد، ولا خيمة من الاحتراق.

غزة لا تطلب المستحيل.. لا تطلب من العالم أن يحمل عنها وجعها، لكنها تريد على الأقل أن يتعامل معها كبشر، لا كأرقام تُذكر في نشرات الأخبار ثم تُنسى سريعًا.

في كل زاوية هنا حكاية موجعة.

هناك أب يجلس أمام خيمته يحاول أن يقنع أبناءه أن الغد سيكون أفضل، بينما هو نفسه لم يعد يعرف كيف يبدو الأمان أصلًا.

وهناك أم ترتب ثياب طفلها الشهيد وكأنها ترفض الاعتراف أن الحرب أخذته بالفعل.

وهناك أطفال كبروا أسرع من أعمارهم لأنهم تعلموا معنى الخوف والجوع قبل أن يتعلموا معنى اللعب والحياة.

ومع ذلك، يواصل العالم الحديث عن “الجهود الدبلوماسية” وكأن غزة تملك رفاهية الانتظار أكثر.

الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من القوى الدولية لم تعد تتعامل مع غزة باعتبارها مأساة إنسانية تحتاج إلى حل جذري، بل باعتبارها أزمة يجب فقط منع انفجارها الكامل.

ولهذا تتكرر الدائرة ذاتها كل مرة:

تصعيد،

ثم وساطات،

ثم اتفاق هش،

ثم انهيار،

ثم مزيد من الدم.

أما أهل غزة، فهم وحدهم الذين يدفعون الثمن في كل مرة.

والمؤلم أكثر أن الوسطاء يعرفون جيدًا حجم الكارثة التي يعيشها القطاع. يعرفون أن الناس هنا يعيشون بين الركام والخيام، وأن آلاف العائلات فقدت كل شيء تقريبًا، وأن استمرار الحرب يعني مزيدًا من الجوع والتيه والمقابر.

ومع ذلك، يبقى الصوت خافتًا حين تُخرق التفاهمات، وكأن دم الفلسطيني أقل قدرة على تحريك الضمير العالمي.

إن الوساطة الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم التصريحات، بل بقدرتها على حماية الناس ومنع انهيار الاتفاقات.

أما أن تتحول الاتفاقات إلى مجرد صور سياسية مؤقتة، فهذا لا يصنع سلامًا، بل يصنع مزيدًا من اليأس وفقدان الثقة بالعالم كله.

ورغم كل هذا الخذلان، تبقى غزة متعلقة بخيط أملٍ رفيع، لأن الشعوب التي تعبت طويلًا لا تملك إلا أن تحلم بالحياة، ولأن هذه المدينة التي أنهكتها الحرب ما زالت تؤمن أن للحق يومًا، وأن للظلم نهاية، مهما طال الصمت ومهما تأخر صوت العالم.

المصدر / فلسطين أون لاين