بأي لغة يفهم العالم؟ وبأي كلمات نخاطب الوسطاء والضامنين والدول التي أعلنت أنها تعمل من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين؟ هل نخاطبهم بلغة الأرقام، أم بلغة الصور، أم بلغة الدماء التي لم تجف منذ أشهر طويلة؟ لقد قيل كل شيء، وشاهد العالم كل شيء، ومع ذلك ما زال شلال الدم الفلسطيني يتدفق، وكأن حياة أهل غزة أصبحت خبرًا عابرًا لا يستحق موقفًا حاسمًا.
من الذي أقنع العالم بأن الحرب على غزة قد توقفت؟ ومن الذي نجح في تسويق هذه الرواية في حين أن الواقع يقول إن الموت ما زال يحاصر غزة من كل اتجاه؟ فكل يوم تستيقظ المدينة على قصف جديد، وكل يوم تسقط منازل فوق ساكنيها، وكل يوم تُستهدف خيمة أو مدرسة أو شارع أو تجمع للمدنيين، وكل يوم يرتقي شهداء ويمتلئ ما تبقى من المستشفيات بالجرحى.
ولو كانت الحرب قد توقفت كما يظن البعض، فلماذا لا تزال أصوات الطائرات لا تغادر سماء غزة؟ ولماذا لا تزال أوامر الإخلاء تتوسع يومًا بعد يوم؟ ولماذا لا يزال الناس يهربون من مكان إلى آخر حاملين ما تبقى من حياتهم فوق أكتافهم؟
الجمعة، عاد مخيم النصيرات ليكتب فصلًا جديدًا من الألم، حين ارتقى عدد من الشهداء وسقط عشرات الجرحى في مجزرة جديدة، في مشهد يتكرر حتى أصبح الموت حدثًا يوميًا. والأشد قسوة أن الاستهداف طال جنازةً كان أهلها يودعون فيها شهداءهم، فتحول التشييع إلى مأتم جديد، وسقط شهداء وهم يؤدون آخر واجب إنساني تجاه أحبائهم.
أي قانون في هذا العالم يسمح باستهداف جنازة؟ وأي ضمير يمكن أن يقبل أن يُقتل الإنسان وهو يشيع شهيدًا؟ إن هذه المشاهد وحدها كافية لتسقط كل الشعارات التي تتحدث عن حماية المدنيين، وتكشف أن ما يجري في غزة تجاوز كل الحدود الإنسانية والأخلاقية.
لقد سمعنا كثيرًا عن اتفاقات، وتفاهمات، وضمانات، ووسطاء، ومفاوضات لا تنتهي، لكن أهل غزة لا يرون على الأرض سوى استمرار القصف واتساع رقعة الدمار. فإذا كانت هذه الاتفاقات لا تمنع قتل طفل، ولا توقف قصف منزل، ولا تحمي جنازة، فما قيمتها؟ وإذا كانت الضمانات لا تصون حياة المدنيين، فما جدوى الحديث عنها؟
إن كل شهيد يرتقي بعد هذه الاتفاقات يمثل فشلًا جديدًا للمجتمع الدولي، ويحمّل الوسطاء مسؤولية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاهلها. فالتاريخ لا يكتفي بتسجيل الجرائم، بل يسجل أيضًا من امتلك القدرة على منعها ولم يفعل.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع تجاه الدول التي تمتلك تأثيرًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسعًا، وفي مقدمتها تركيا. فأنقرة ترتبط بعلاقات مع القوى الدولية الفاعلة، والرئيس رجب طيب أردوغان أعلن مرارًا حرصه على وقف الحرب ودعم الحقوق الفلسطينية، كما تجمعه قنوات تواصل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومن حق أهل غزة أن يتطلعوا إلى أن تتحول هذه العلاقات إلى ضغط سياسي حقيقي يسهم في وقف هذه الحرب، وأن تُستخدم كل أدوات التأثير الممكنة لحماية المدنيين وإنهاء هذا النزيف المستمر.
وهذا لا يقتصر على تركيا وحدها، بل يشمل كل دولة أعلنت أنها وسيط أو ضامن أو شريك في جهود وقف إطلاق النار. فالمسؤولية اليوم لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد التصريحات، وإنما بقدرة هذه الجهود على حماية حياة الأبرياء ووضع حد لآلة القتل.
لقد دفعت غزة ثمنًا يفوق قدرة أي شعب على الاحتمال. مئات الآلاف ما بين شهيد وجريح وأسير، ومدن كاملة دُمّرت، وأحياء مُحيت من الوجود، وأطفال فقدوا آباءهم، وأمهات يودعن أبناءهن كل يوم، وعائلات تعيش في خيام لا تعرف معنى الأمان، بينما يستمر الحصار والجوع والعطش والمرض في حصد ما تبقى من الحياة.
إن غزة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن امتيازات، وإنما تطالب بحقها الطبيعي في الحياة، وبأن يُحمى المدنيون وفق ما تقره القوانين والمواثيق الدولية، وأن تتوقف هذه الحرب التي طالت أكثر مما يحتمله البشر.
إن التاريخ لا يحفظ عدد البيانات التي صدرت، بل يحفظ من تحرك حين كان الإنسان يُقتل، ومن امتلك القدرة على التأثير فاستخدمها، ومن آثر الصمت وهو يرى المأساة تتكرر أمامه. سيأتي يوم تُطوى فيه صفحات هذه الحرب، لكن دماء الأبرياء ستبقى شاهدًا على كل موقف، وستبقى غزة تكتب بدماء شهدائها أن العدالة التي تتأخر كثيرًا تفقد معناها، وأن حماية المدنيين ليست خيارًا سياسيًا، بل هي واجبٌ إنساني وأخلاقي لا يقبل التأجيل.

