يمرّ مسار التهدئة في قطاع غزة بمرحلة حرجة تُعيد تشكيل معادلات التفاوض؛ حيث يُشكل التمسك بشرعية التفاهمات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الوسطاء على صيانة ما تم التوصل إليه، وفي وقتٍ تتجه فيه الأنظار نحو تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ استحقاقاته الميدانية والإنسانية، يأتي تصاعد القصف واستهداف الأعيان المدنية ومراكز النزوح كرسالة سياسية ذات طابع ميداني، تسعى من خلالها حكومة الاحتلال إلى فرملة الاستحقاقات السياسية وفرض "معادلة النار والابتزاز" بدلاً من التزام التفاهمات.
هذا السلوك الميداني يُمثل "استراتيجية الهروب إلى الأمام" لربك المشهد الميداني، ومحاولة هندسة وقائع جديدة بالقوة تُفرغ الاتفاق من مضمونه، ومن هنا، يضع هذا التصعيد القوى الضامنة والإرادة الدولية أمام استحقاق أخلاقي وسياسي مفصلي: إما الانتقال من مربع "إدارة الأزمة" والتعبير عن القلق إلى ممارسة ضغطٍ حقيقي يُلزم الاحتلال بتعهداته، أو ترك المنطقة لتنجرف مجدداً نحو دورة جديدة من العدوان المفتوح.
التصعيد الميداني كأداة لتعطيل المسار السياسي
لم يكن تصاعد القصف المكثف واستغلال فائض القوة ضد خيام النازحين والأحياء السكنية المكتظة مجرد رد فعل عسكري عابر أو حسابات تكتيكية معزولة، إنّما يتكشف عبر القراءة السياسية الواعية كعملية منهجية لـ "هندسة التملص" من المسار التفاوضي، يلجأ الاحتلال إلى رفع الكلفة الإنسانية وتثبيت حالة من عدم الاستقرار الميداني، بهدف خلق أوراق ضغط جديدة تُربك صانع القرار الفلسطيني وتُفرغ مسار التهدئة من قيمته الاستراتيجية.
إن هذه السياسة القائمة على تحويل الميدان إلى ساحة لـ معادلة النار والابتزاز تُعبر عن مأزق سياسي داخلي يهرب فيه الاحتلال من استحقاقات وقف إطلاق النار عبر الاستثمار في دماء المدنيين، مفترضاً أن إعادة رسم الخارطة الميدانية تحت اللهب والمواجهة سيعطيه قدرة أكبر على إعادة فرض شروطه التفاوضية المفلسة.
معادلة الالتزام المفقودة.. تناقض الممارسات مع التفاهمات
تتسع الفجوة وتزداد عمقاً بين التعهّدات المعلنة برعاية الوسطاء الإقليميين، وبين الواقع الميداني الذي ينطق بلغة العدوان المفتوح وتكريس التهجير القسري، إن القراءة التحليلية لسلوك الاحتلال تؤكد وجود استراتيجية ثابتة ترتكز على القبول الشكلي بالمسار السياسي للالتفاف على الضغوط الخارجية، يليه تعطيل عملي وميداني لكل بند يُلزم الاحتلال بإنهاء المأساة الإنسانية أو الانسحاب الكامل.
هذا التناقض الصارخ يسقط أي رهانات على "حسن النية" ويُظهر أن المماطلة وإلغاء مفاهيم الاتفاق من مضمونها الميداني ليست سوى وسيلة لفرض واقع تفاوضي جديد، يُجرّد التفاهمات الموقّعة من قيمتها، ويُكرّس معادلة خرق المعايير كأمر واقع لا يستوجب الحساب.
محك الضامنين.. من "إدارة التفاوض" إلى "فرض الالتزام"
يقف الوسطاء اليوم أمام لحظة حقيقة؛ فالاكتفاء بدور "الميسّر" للعملية التفاوضية أو إصدار البيانات المنادية بالتهدئة لم يعد كافياً لوقف حالة التدهور، تشير الممارسات الميدانية للاحتلال إلى استهانة بواقع الضمانات الإقليمية، مما يضع استحقاق الضمانة على المحك الفعلي.
المطلوب اليوم من الوسطاء والقوى الضامنة يتجاوز حدود "إدارة التفاوض" الحذرة إلى الانتقال الفوري والمباشر نحو "فرض الالتزام"، عبر ممارسة ضغوط سياسية وسيادية حقيقية تمتلك أوراق قوة تُلزم الاحتلال بالوقف الفوري للعدوان وتجبره على كفّ يده عن تعطيل التزامات التهدئة، إن الاستمرار في التساهل مع أدوات المماطلة يضرب مصداقية منظومة الوساطة الإقليمية والدولية في جوهرها.
المساءلة الدولية.. كسر حالة الحصانة ووقف خرق القانون الدولي
لا يمكن فصل استمرار الاحتلال في خرق التفاهمات واستهداف الأعيان المدنية عن حالة "الحصانة المطلقة" التي يتمتع بها على الساحة الدولية، إن الصمت الدولي الممتد وعدم كسر حالة الإفلات من العقاب يشكلان المشجع الأول لقادة الاحتلال للاستمرار في انتهاك القانون الدولي والإنساني والتنصل من أي اتفاقات سياسية.
إن حماية الشعب الفلسطيني ووقف سياسة القتل والتهجير تتطلبان تحركاً أممياً وقضائياً يتجاوز لغة الشجب والمطالبات الخجولة، ليتحول إلى إجراءات عملانية ومحاكمات ناجزة تلاحق قادة الاحتلال كمرتكبي جرائم حرب، فبدون تفعيل أدوات المساءلة الدولية وقطع الطريق على "استثناء الاحتلال من القانون"، ستبقى الاتفاقيات حبراً على ورق، وستظل الدبلوماسية الدولية عاجزة عن لجم العدوان وتوفير الحماية الحقيقية للمدنيين.
حافة الهاوية.. وتداعي الأوهام
ختاماً؛ لا يمكن النظر إلى هذا التصعيد الممنهج إلا بوصفه مجازفة سياسية غير محسوبة العواقب، تُمارسها حكومة الاحتلال على حافة الهاوية، إن المراهنة على خيار القوة الغاشمة لإعادة هندسة الواقع الميداني وتجريد التهدئة من مضامينها السياسية هي مراهنة سقطت ميدانياً وسياسياً؛ فلم يسبق للنار أن صنعت استقراراً، ولن يفلح القصف المكثف في انتزاع موقفٍ عجز الاحتلال عن تحقيقه في أعتى صور عدوانه.
إن الاستهانة الصريحة بجهود الوسطاء والالتزامات التفاوضية تضع المنطقة بأسرها أمام لحظة الحقيقة: فإما أن يسود منطق القانون والالتزام، أو أن تتحمل الجهات الضامنة والمجتمع الدولي تبعات الانفجار القادم، لقد حان الوقت لإدراك أن التغاضي عن "هندسة التملص" الصهيونية وإنما هو تواطؤ يمنح القاتل ضوءً أخضر للاستمرار في حرب الإبادة.
واليوم، لم يعد هناك مجالٌ للمواقف الرمادية؛ إما فرضٌ صارم لاستحقاقات الاتفاق وتلجيمٌ قاطع لشهوة النار، أو السقوط الفعلي لأوهام التهدئة ولأي دورٍ للوسطاء في إدارة المشهد.

