فلسطين أون لاين

صخرة وجودهم وصمت أمتنا.. حين تتحول الطقوس حول الأقصى إلى مشروع سيادة

لم يكن المشهد الذي خرج به بنيامين نتنياهو من أنفاق حائط البراق مجرد زيارة دينية لرئيس حكومة الاحتلال، ولا كانت كلماته عابرة في سياق احتفالات «يوم الغفران»، حين وقف نتنياهو، برفقة زوجته سارة، تحت الأرض وقال: «إنه لأمر مؤثر أن نلمس صخرة وجودنا، نحن هنا قريبون جداً من قدس الأقداس، ونحن هنا وسنبقى دائماً هنا»، كان يضع أمام العالم صياغة مكثفة لمشروع كامل: تحويل الرواية الدينية إلى ادعاء بالوجود، والادعاء بالوجود إلى حق، والحق المزعوم إلى سيادة مفروضة على الأرض. 

وفي الوقت نفسه، كان مئات المستوطنين يقتحمون باحات الأقصى ويؤدون الطقوس والصلوات التلمودية تحت حماية قوات الاحتلال، بينما تُضيَّق أبواب القدس على أهلها. 

المشهد يُمثّل سياسة تُرتَّب بالطقوس، وسيادة تُبنى بالتكرار، وواقع جديد يُختبر تحت حماية القوة، والأشد إيلاماً أن هذا التقدم المنظم يقابله في العالم الإسلامي صمت لا يوازي حجم الخطر.

من «يوم الغفران» إلى هندسة السيادة.. حين تتحول الطقوس إلى سياسة

بات «يوم الغفران» بالنسبة إلى المشهد الذي يتشكل في القدس توقيتاً تُستثمر فيه الطقوس لإعادة إنتاج الحضور الصهيوني داخل أكثر الأماكن حساسية في المدينة، فحين تتزامن المناسبات الدينية مع اقتحامات المستوطنين، وأداء الطقوس التلمودية في باحات الأقصى، والحضور السياسي لوزراء حكومة الاحتلال، والحماية الأمنية المكثفة، فإننا لا نكون أمام فعل ديني منفصل عن السياسة، وإنما أمام هندسة للطقس بوصفه أداةً لصناعة السيادة.

الخطر هنا لا يكمن في عدد المقتحمين وحده، وإنما في تراكم المشهد: ما كان يُعد خرقاً استثنائياً يصبح ممارسة متكررة، وما يتكرر يبدأ في اكتساب ملامح الاعتياد، وما يُعتاد عليه يُعاد تقديمه لاحقاً باعتباره «واقعاً قائماً».

وهذه هي سياسة التطبيع التدريجي للخرق: تغيير المشهد بجرعات متلاحقة، حتى يصبح السؤال غداً: «متى أصبح ذلك طبيعياً؟».

«صخرة وجودهم» كيف تُبنى السيادة بالرواية قبل السيطرة على الأرض؟

ربما تختصر عبارة نتنياهو في أنفاق حائط البراق جوهر المعركة الرمزية كلها، إنها لغة سياسية مشبعة بالرموز الدينية، فحين تُسمّى الحجارة «صخرة وجود»، وتُربط الأنفاق بـ«قدس الأقداس»، ويتحول الحضور في المكان إلى إعلان أبدي: «سنظل هنا»، تصبح الرواية التاريخية والدينية جزءً من عملية إنتاج الحق السياسي.

وهنا تعمل سياسة الرواية قبل سياسة الأرض: فقبل أن تُفرض السيادة بوثيقة أو قانون، يجري تثبيتها في الوعي من خلال تكرار مفردات «الوجود»، و«القداسة»، و«الحق التاريخي»، ثم ترجمتها إلى حضور بشري وأمني وسياسي متواصل.

وفي المقابل، تقف الرواية الفلسطينية والإسلامية للقدس على أرضية مختلفة: الأقصى مسجد إسلامي، والقدس مدينة ذات مكانة دينية وتاريخية، ووضعها القانوني والسياسي محل نزاع دولي لم تحسمه الرواية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها، ولذلك يصبح الصراع على القدس صراعاً على تعريف المكان قبل أن يكون صراعاً على امتلاك المكان.

إن أخطر ما في خطاب نتنياهو أنه يصوغ الوجود بوصفه حقًا دائمًا غير قابل للمراجعة.

من الاقتحام إلى التطبيع مع الأمر الواقع.. سياسة الخطوة الصغيرة

السيطرة على القدس لا تُقاس فقط بما يُعلن من قرارات كبرى؛ أحياناً تُبنى عبر سلسلة من التفاصيل الصغيرة التي تتراكم حتى تتحول إلى واقع كبير، اقتحام يتكرر، طقس ديني يُؤدّى، وزير يدخل بحماية الشرطة، قيود تُفرض على المصلين، مقدسيون يُبعدون، وحضور أمني يزداد كثافة؛ ثم تأتي الحفريات والأنفاق لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد، هكذا تعمل سياسة الخطوة الصغيرة: كل خطوة منفردة تبدو قابلة للاحتواء، لكن مجموعها يعيد رسم حدود المكان.

وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال مهم من الاقتحام الفردي إلى الحضور المنظم: مستوطنون، ووزراء، وشرطة، وإجراءات أمنية، وتغطية سياسية، وطقوس دينية؛ منظومة متشابكة تمنح الفعل المتكرر حمايةً رسمية وتدفعه تدريجيًا من خانة «الاستثناء» إلى خانة «الممارسة».

وهنا تتشكل أخطر معادلات القدس: الواقع الجديد لا يحتاج إلى إعلان صريح إذا أمكن فرضه بالتكرار، فحين يتغير عدد المشاركين، ومدة وجودهم، وطبيعة طقوسهم، وحدود ما تسمح به الشرطة، فإن حدود «الممكن» تتغير بصمت.
إنها هندسة الاعتياد؛ تحويل الخرق إلى عادة، والعادة إلى أمر واقع، والأمر الواقع إلى مرجعية تفاوضية لاحقة.

الأقصى في زمن الإبادة.. أين الموقف العربي والإسلامي؟

في لحظة تُعاد فيها صياغة المشهد حول الأقصى بالاقتحام والطقس والحضور السياسي، تبدو المفارقة أكثر قسوة: القدس حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي بوصفها قضية عقائدية وتاريخية وسياسية، لكن السؤال يبقى عن قدرة هذا الوجدان على التحول إلى فعل سياسي يوازي حجم التحول الجاري على الأرض.

والإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن المواقف الرسمية لم تكن غائبة تماماً؛ فقد أدان الأردن مراراً الاقتحامات والإجراءات الإسرائيلية، كما أدان مرصد الأزهر التطورات الأخيرة، في حين وصفت منظمة التعاون الإسلامي ما يجري بأنه تداخل متزايد بين الفعل السياسي والممارسات الدينية ومحاولة لفرض وقائع جديدة.

لكن الإشكالية الأوسع ليست في غياب البيانات، وإنّما في الفجوة بين كثافة الخطاب وسرعة الواقع، فالاحتلال يتحرك بمنطق التراكم: يكرر الحضور، يوسع الطقوس، يفرض إجراءات أمنية، ويعيد إنتاج الرواية في كل مناسبة؛ بينما غالباً ما يأتي الرد العربي والإسلامي في صورة بيانات إدانة منفصلة عن استراتيجية ضغط طويلة المدى.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً هو: ماذا تفعل الأمة حين تتحول الرموز التي تقدسها إلى ساحات يُعاد تعريفها أمام أعينها؟

فحين يقول نتنياهو: «نحن هنا، وسنبقى دائماً هنا»، لا ينبغي أن يُقرأ الكلام بوصفه جملة احتفالية؛ إنه إعلان عن تصور للزمن والمكان والوجود، وفي مواجهته تحتاج القدس إلى أكثر من ذاكرة تحفظ قدسيتها؛ تحتاج إلى سياسة تحفظ حضورها، ورواية تدافع عن هويتها، وفعل يحول دون أن يصبح الاحتلال هو الطرف الوحيد الذي يكتب المستقبل على حجارتها.

ختاماً.. ليست معركة الأقصى اليوم على حجرٍ أو بابٍ أو طقس؛ إنها معركة على من يملك حق تعريف القدس وكتابة مستقبلها، الاحتلال يقتحم الوعي بالتكرار، ويحوّل الطقس إلى عادة، والعادة إلى واقع، والواقع إلى «حق» مزعوم، وفي المقابل، لا يكفي أن نبكي القدس في الخطب، بينما تُعاد هندسة حضورها أمام أعيننا.

حين يقول نتنياهو: «نحن هنا وسنبقى دائمًا هنا»، فالسؤال الذي يفرض نفسه: أين نحن؟ فالقدس لا يحميها الحنين، والأقصى لا تصونه البيانات، والتاريخ لا ينتصر بالصمت، إنهم يبنون هندسة الوجود حجراً فوق حجر؛ فهل نبقى أسرى هندسة الغياب؟

المصدر / فلسطين أون لاين