في القاهرة، لم يعد النقاش يدور حول عدد الشاحنات التي ستدخل غزة، ولا حول خرائط الانسحاب فقط، ولا حتى حول شكل الإدارة التي ستتولى إدارة القطاع في اليوم التالي للحرب.
كل هذه الملفات باتت تتقاطع عند نقطة واحدة.
بند السلاح.
خلال الأشهر الماضية نجح الاحتلال في تحويل هذا الملف من قضية أمنية إلى بوابة تتحكم بكل شيء تقريبًا؛ بالمساعدات، والإعمار، والانسحاب، وإدارة غزة، وحتى بمستقبل وقف إطلاق النار نفسه. وتعزز هذا المسار عبر المقاربات التي جرى تسويقها في أروقة مجلس السلام، قبل أن يصبح جزءًا من النقاشات المطروحة على طاولة الوسطاء.
لهذا لم يكن مستغربًا أن ينتقل مركز الثقل في حوارات القاهرة الأخيرة إلى البند الثامن (بند السلاح) ، وأن تتجمع حوله معظم العقد المتبقية.
حتى بدا أن كل الخلافات تختصر في سؤال واحد:
كيف يُعالج ملف السلاح؟
ومن هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا ظاهريًا، دارت خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر جولات الحوار الفلسطيني حساسية وتعقيدًا.
بينما كانت غزة تنزف تحت القصف، ويعيش سكانها واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية في تاريخ القطاع، كانت الوفود الفلسطينية والوسطاء يخوضون معركة مختلفة داخل قاعات القاهرة؛ معركة الكلمات والصياغات والضمانات ومحاولات ردم الفجوات.
المؤشرات القادمة من أجواء الحوار توحي بأن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الرفض أو القبول، بقدر ما أصبح يدور حول كيفية بناء جسر سياسي يسمح بالانتقال من حالة الاختلاف إلى مساحة من التفاهم.
العقدة الرئيسية تمركزت حول البند الثامن المتعلق بالسلاح. لكن اللافت أن النقاشات الأخيرة أظهرت اقترابًا نسبيًا في وجهات النظر، ليس عبر حسم الخلاف بالكامل، وإنما عبر إعادة صياغة الأسئلة نفسها والبحث عن آليات يمكن أن تشكل أرضية مشتركة.
فالمقاومة الفلسطينية ما زالت تتمسك بموقف واضح مفاده أن أي ترتيبات تتعلق بالسلاح يجب أن تتم ضمن إطار فلسطيني، وأن يكون الطرف الذي يتولى هذه المهمة فلسطينيًا لا جهة خارجية. كما ترى أن أي حديث عن جمع السلاح أو تنظيمه لا يمكن فصله عن الانسحاب الإسرائيلي واستحقاقات المرحلة الأولى وترتيبات اليوم التالي للحرب.
في المقابل، حاول الوسطاء البحث عن مقاربة عملية تقوم على مبدأ “الخطوة مقابل الخطوة”، بحيث تتزامن الإجراءات السياسية والأمنية بصورة تدريجية، بدلاً من انتظار اكتمال كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية.
فالخلاف الحقيقي لم يعد حول وجود آلية أو جدول زمني من حيث المبدأ، بل حول ترتيب المراحل وضماناتها. متى يبدأ التنفيذ؟ ومن يراقب الالتزامات؟ وما العلاقة بين الانسحاب والسلاح؟ وكيف يمكن منع تحوّل أي تفاهم إلى التزام أحادي الجانب يطبق على طرف دون الآخر؟
لهذا تبدو الأيام المقبلة أكثر أهمية من الأيام الماضية.
فالوسطاء والفصائل الفلسطينية ربما نجحوا في تضييق مساحة الخلاف والوصول إلى صيغة أولية مقبولة تسمح باستمرار المسار التفاوضي، لكن التحدي الأكبر يبدأ الآن. إذ لا قيمة لأي تفاهم إذا بقي حبيس الغرف المغلقة، أو إذا لم يتحول إلى التزام متبادل قابل للتنفيذ على الأرض.
المعركة الحقيقية انتقلت من قاعات القاهرة إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا: كيف سينقل الوسطاء هذه الصياغات إلى الاحتلال الإسرائيلي ومجلس السلام؟ وكيف سيحوّلون التفاهمات النظرية إلى إجراءات عملية تفتح الطريق أمام وقف إطلاق النار، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، ووقف النزيف المستمر في غزة؟
حتى الآن لا أحد يملك إجابة حاسمة.
لكن ما يمكن قوله إن القاهرة لم تعد تبحث فقط عن صيغة تتعلق بالسلاح، بل عن صيغة تنقذ فرصة وقف إطلاق النار نفسها.
وبين قاعات القاهرة وركام غزة، يبقى الاختبار الحقيقي لهذه التفاهمات خارج أوراق التفاوض والصياغات السياسية. فإما أن تتحول إلى خطوات توقف الحرب وتفتح الطريق أمام الإعمار وعودة الحياة، وإما أن تنضم إلى سلسلة طويلة من التفاهمات التي وُلدت على الطاولات وماتت قبل أن تصل إإلى الميدان.

