لم تكن سيرة الشهيد القائد عز الدين الحداد "أبو صهيب" مجرد سطور في سجلات العمل العسكري، بل كانت ملحمة إنسانية واجتماعية حفرت عميقا في وجدان كل من عرفه. برحيله مع زوجته الصابرة في غارة إسرائيلية حاقدة، طويت صفحة من صفحات العطاء الصامت، لكن صدى كلماته ومواقفه لا يزال يتردد في أزقة حي التفاح الصامد وفي قلوب عائلته التي رباها على مائدة القرآن والجهاد.
تفيض مشاعر الفقد في حديث ابنته "جنان" (30 عاما) لصحيفة "فلسطين"، وهي التي فقدت في هذه الحرب زوجها وأخاها ثم توّجت تضحياتها بفقد والديها. تقول جنان: "أبي لم يكن لنا مجرد والد، كان هو الحياة بكاملها. في البيت، كنت تنسى تماما أنه القائد الذي تهتز له الأرض تحت أقدام الغزاة، كان رقيقا، حنونا، ومهموما بكل تفاصيلنا الصغيرة".
وتضيف جنان بلهجة ملؤها الفخر: "لقد غرس فينا منذ نعومة أظفارنا أن فلسطين ليست مجرد تراب، بل هي عقيدة. كان يحرص في كل جلسة عائلية على أن يذكرنا بفضل الرباط، ويقول لنا إن البيوت التي لا تبنى على حب الجهاد هي بيوت خاوية. لقد قدم روحه في سبيل الله دون تردد، لأنه كان يعيش حالة من العشق للقاء الله والشهادة التي تمناها طويلا".
وعن تفقد والديها لها في ظل الحرب، تسرد جنان تفاصيل مؤثرة: "بعدما استشهد زوجي محمود أبو حصيرة، ثم لحق به أخي مؤمن، وقبلهما شقيقي صهيب الذي ارتقى في بداية معركة "طوفان الأقصى" مقبلا غير مدبر، ظننت أن الدنيا قد ضاقت بي، لكن أبي كان هو الجسر الذي عبرت عليه فوق أحزاني. كان يقتنص اللحظات من بين نيران الميدان وتحليق طائرات الاستطلاع ليأتي إلي. كان يمسح على رؤوس أطفالي ويقول لهم: (أنتم أبناء شهداء، فكونوا جبالا لا تنحني). كان يسأل عن أدق احتياجاتنا، ويوفر لنا الأمان في وقت فقد فيه الجميع الأمان، فكان وجوده وحده يبعث في نفوسنا الطمأنينة بأن الله لن يضيعنا".
وتنتقل جنان بالحديث عن والدتها الشهيدة، التي ارتقيت مع والداها، قائلة: "أمي الغالية كانت السند الخفي لأبي. كانت دائما تدعو الله ألا تفارقه في الدنيا ولا في الآخرة، وتقول: (يا رب، كما جمعتنا في بيوت الدنيا على طاعتك، اجمعنا في جناتك شهداء). كانت امرأة صوامة قوامة، لسانها لا يفتر عن ذكر الله، وكانت مدرسة لنا نحن البنات".
وتتابع: "كانت أمي توصينا دائما بتربية أبنائنا على العزة، وتقول لنا بكلمات لن أنساها: (يا بنات، الأقصى أمانة في أعناقكم، وتحرير فلسطين ليس مجرد شعار، بل هو ثمرة تربية جيل مؤمن بعدالة قضيته، جيل لا يعرف الخوف). لقد كانت تدرك أن طريقنا صعب، فكانت تهيئنا نفسيا وإيمانيا لكل الاحتمالات، حتى حقق الله لها مرادها وارتقيت في حضن والدي، لتكتمل حكاية وفاء بدأت في الدنيا وانتهت في الفردوس".
وفي زاوية أخرى من حي التفاح، تروي الحاجة ساندي أبو الكاس (43 عاما) لـ"فلسطين" جانبا من كرمه الحاتمي: "كان أبو صهيب يأتي إلينا رغم انشغاله بالحروب والخطط. لم يكن بيننا قرابة دم، لكنه كان يعاملنا كأهله. كان يدفع إيجار منزلنا بانتظام، وعندما مات حصان زوجي الذي هو مصدر رزقنا الوحيد، بادر فورا لشراء حصان جديد له".
وتستذكر أم محمد كيف كان ينام في بيتهم البسيط، وكيف كانت تشعر العائلة بأكملها ببركة وجوده، مؤكدة أنه كان يخصص رواتب شهرية للفقراء من حوله، فكان قائدا يطعم الجوعى ويؤمن الخائفين قبل أن يكون قائدا في ساحات النزال.
أما آية الحداد (47 عاما)، زوجة شقيق الشهيد، فترسم صورة للترابط الأسري الذي كان يقوده "أبو صهيب". تقول والدموع تغالبها: "كان يجمعنا جميعا ليدرسنا فقه القرآن الكريم. كان يفسر لنا الآيات التي تتحدث عن النصر والتمكين، ويزرع في نفوسنا تفاؤلا عجيبا بقرب التحرير. كان يرى النصر في عيون الأطفال وفي صمود الثوار".
وتضيف أم العبد، لصحيفة "فلسطين" التي قدمت ابنها وزوجته وأحفادها شهداء في هذه المعركة: "أبو صهيب علمنا أن التضحية جزء من الثمن، وأن الوطن يستحق كل هذا الدم. اليوم، حين أتذكر كلماته عن الصبر، أجد القوة لمواصلة الطريق. لقد رحل الرجل الذي كان لنا أبا وأخا وموجها، لكن أثره فينا لا يمحوه غياب".
وعلى الرغم من عظم المصاب وفقدان "أبو صهيب" لنجليه صهيب ومؤمن، إلا أن مسيرة العطاء والتربية التي غرسها في بيته لا تزال مستمرة، حيث ترك الشهيد خلفه خمس بنات، هن إرثه الباقي وحاملات وصيته، واللواتي يواصلن اليوم بصلابة السير على النهج الذي خطه والدهنّ بدمه، وعززته والدتهن بصبرها.
ارتقى عز الدين الحداد، وارتقيت معه زوجته، تاركين خلفهم مدرسة في القيادة والتربية والاجتماع. لم ينجح الاحتلال باغتياله في كسر شوكة المقاومة، بل صنع منه أسطورة ستتداولها الأجيال في غزة، حيث يختلط دم القائد بدم شعبه، وتلتحم تضحيات القادة بدموع الفقراء، ليرسموا معا خارطة الطريق نحو القدس

