لم يكن الدكتور أدهم حسونة مجرد محاضر جامعي يشرح نظريات الإعلام داخل قاعات الدراسة، بل كان رجلًا حمل على كتفيه أحلام عائلته وطلابه، وعاش مؤمنًا بأن العلم رسالة، وأن الإنسان الحقيقي هو من يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.
ففي كل صباح، وبعد أن يؤدي صلاة الفجر في المسجد، كان طريقه الأول إلى منزل والدته، أم ماجد حسونة، إذ لم يكن يومه قبل أن يطمئن عليها بنفسه، ولا سيما أنه كان سندها اليومي.
تقول والدته لصحيفة "فلسطين" بصوت تخنقه الحسرة: "كان أدهم نفسي اللي بتنفسه، استشهاده حرق قلبي وكسر ظهري، كان يوميًا بعد صلاة الفجر يأتي إلى بيتي ويتفقدني، يحضر الفول والفلافل والخبز الطازج لنفطر معًا، وبعدها يوصلني إلى عملي، وعندما ينهي عمله يرجع يأخذني معه للبيت.. قطع فيّا، كان إيدي ورجلي".
تصفه بأنه كان "آخر العنقود"، وأكثر أبنائها قربًا إلى قلبها، لكن حضوره لم يكن مقتصرًا على العائلة فقط، بل امتد إلى كل من عرفه بوجهه البشوش، وكلماته الهادئة، وقدرته على احتواء الآخرين مهما كانت ظروفه.
وتضيف والدته: "لساني يعجز عن وصفه، كان أسلوبه جميل ولسانه لبق مع الجميع، لم يكن فقط نعم الابن، بل الزوج والأب والعم والخال".
طموح منذ الصغر
منذ طفولته، بدا مختلفًا عن أقرانه، كان شغوفًا بالعلم، مُحبًا للقراءة، وطموحًا يرى في التعليم طريقًا لتغيير الحياة، وبعد إنهائه الثانوية العامة، غادر غزة إلى مصر ليدرس الإعلام في جامعة 6 أكتوبر، تاركًا خلفه عائلته وأصدقاءه لأربع سنوات كاملة.
هناك، تمسك بحلمه رغم صعوبة الغربة، وعاد إلى غزة حاملًا شهادته وطموحًا أكبر من حدود الوظيفة أو المنصب، بدأ حياته المهنية في عدد من المؤسسات الإعلامية، من بينها تلفزيون فلسطين، قبل أن يقرر استكمال رحلته الأكاديمية للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه.
كان يرى أن رسالته الحقيقية تكمن في التدريس، لذلك عاد إلى الجامعات الفلسطينية محاضرًا في كلية الإعلام، مؤمنًا أن بناء جيل إعلامي واعٍ لا يقل أهمية عن أي معركة أخرى.
لم يكن أستاذًا تقليديًا بالنسبة لطلابه، بل كان قريبًا منهم إلى حد كبير، يستمع إليهم، ويشجعهم، ويعاملهم كأبناء وإخوة، وكان يحرص دائمًا على ربط الجانب النظري بالتطبيق العملي، فينظم لهم زيارات ميدانية إلى الإذاعات والفضائيات الفلسطينية ليعيشوا التجربة بأنفسهم.
ولهذا، كان كثير من طلبته يصفونه بأنه "رقم واحد" في الجامعة، ليس فقط بسبب كفاءته العلمية، بل بسبب إنسانيته وقربه منهم.
حضوره باقٍ رغم الرحيل
أما زوجته دنيجار فلفل، فتتحدث عنه وكأنه ما زال حاضرًا بينهم: "لما بدي أتكلم عن أدهم، فسيرته دائمًا حاضرة وروحه موجودة بيننا، لا يغيب عن البال ولو لدقائق معدودة، لم يكن إنسانًا عاديًا خلال عشرين عامًا من الزواج، كان الزوج والصاحب والسند، كنت أرى به العالم كله".
بعد سنوات طويلة من الصبر، رزقهما الله بتوأمين "كريم وسيف"، ثم بتوأم آخر بعد عامين، عاش الأبوة بكل تفاصيلها، وكان حاضرًا في التربية والتعليم والاهتمام اليومي بأطفاله، متفقًا مع زوجته على أن أهم ما يمكن أن يتركاه لأبنائهما هو العلم وحفظ القرآن.
ورغم ظروف الحرب القاسية، حاول أن يبقى مصدر أمان لعائلته، كان ينتقل مع زوجته وأطفاله من غرفة إلى أخرى وفق شدة القصف، ويحاول اختراع لحظات من الضحك وسط الخوف.
تروي زوجته بعض تلك اللحظات: "كان يمسك الجوال ويصورني وأنا أمثل دور مراسلة صحفية وقت القصف، وأتظاهر أني وقعت على الأرض، حتى يضحك الأطفال وينسوا الخوف للحظات".
خلال الحرب، لم يتوقف عن متابعة الأخبار وتحليل ما يحدث، وكان جريئًا في التعبير عن آرائه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رغم خوف المقربين عليه، وحين كانوا يطلبون منه الحذر، كان يجيبهم دائمًا: "العمر واحد والرب واحد".
ولم تشغله الحرب عن الناس واحتياجاتهم، حيث كان يتفقد العائلات المحتاجة، ويوفر المياه والطعام لأهله وأشقائه، ويتصل ببعض الأسر ليعرض عليهم المساعدة المالية بما يستطيع. كانت أمنيته الكبرى أن يرى غزة "أفضل وأأمن مكان في العالم".
كيف رحل؟
في الأول من ديسمبر/ كانون الأول 2023، تعرض منزل مجاور لمنزله للقصف، فتناثر الزجاج داخل البيت وخارجه، طلبت منه زوجته مغادرة المكان خوفًا على الأطفال، لكنه رفض قائلًا: "أنا ما بترك بيتي وبموت على بابه".
وبينما كان ينظف الزجاج من الشارع خوفًا على أطفال الجيران، سقط صاروخ آخر أدى إلى إصابته وآخرين، في حين استشهد عدد من أفراد عائلته.
تصف زوجته تلك اللحظات بصوت يملؤه الانكسار: "لما رفع الدفاع المدني الركام عنه، وقف على قدميه وفتح عينيه، كان ينفض الغبار عن ملابسه ووجهه مليء بالدم، وأشار إلى بطنه لأنه كان ينزف داخليًا".
أُجريت له عملية جراحية، وأُبلغت العائلة أنه ما يزال على قيد الحياة، فذهبت زوجته لزيارته وهي مصابة، قبل أن تفاجأ بأربعة شبان يحملون جثمانه.
وتتابع حديثها: "سألتهم: لوين رايحين فيه؟ قالوا إنه استشهد، أخذت السماعة الطبية من الطبيب وحاولت أسمع نبضه بنفسي، لم أكن استوعب فكرة فقده".
برحيل الدكتور أدهم حسونة، لم تفقد عائلته زوجًا وأبًا وابنًا فقط، بل فقدت الجامعات الفلسطينية أكاديميًا ملهمًا، وخسر طلبته معلمًا استثنائيًا، بينما تفتقد غزة إنسانًا ظل حتى لحظاته الأخيرة مؤمنًا بالحياة والأمل، وبأن الخير لا يتوقف حتى في قلب الحرب.

