فلسطين أون لاين

تحليل في تحليل الشخصية ولغة الجسد: كيف أصبح أبو عبيدة رمزًا للصمود والوعي الجمعي؟

...
شخصية أبو عبيدة تحولت إلى رمز إعلامي وقيمي في الوعي الجمعي العربي والإسلامي
غزة - القاهرة/ علي البطة:
  • مسلم: ثبات الجسد والرموز البصرية سر القوة التي جعلت خطاب "أبو عبيدة" خالدًا في الوعي الجمعي
  • الزيود: الملثم نجح في تحويل خطاب المقاومة إلى أداة للوعي الجماعي

في سياق صراع مفتوح وطويل، لا تقاس الشخصيات العامة بحضورها الإعلامي وحده، بل بدورها في معركة الوعي وتشكيل الإدراك الجمعي. على مدار ما يقرب من عشرين عاما، تشكلت صورة "أبو عبيدة"، الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، بوصفها جزءا من هذا السياق، لا خارجه.

اعتمد أبو عبيدة نموذجا إعلاميا قائما على الانضباط والاقتصاد في الظهور، ما منح خطابه وزنا مضاعفا في بيئة تعج بالرسائل المتناقضة، فثبات الشكل، واختزال اللغة، وضبط نبرة الصوت، جميعها عناصر أسهمت في بناء صورة ذهنية متماسكة، تحول فيها المتحدث باسم القسام من ناقل للمعلومة إلى جزء من بنية الخطاب المقاوم ذاته.

عقب إعلان استشهاده الثلاثاء الماضي، شهدت الساحات الفلسطينية والفضاء الرقمي موجة تضامن واسعة اتخذت طابعا رمزيا أكثر منه انفعاليا. إعادة تداول المقاطع والاقتباسات عكست حضور الصورة الذهنية المتراكمة، فيما تعامل الجمهور مع الحدث بوصفه امتدادا لسردية جمعية، لا مجرد خبر طارئ.

انتشار الرسائل بلغ ساحات واسعة خارج فلسطين، حيث شارك متابعون من العالم العربي والغربي محتوى الخطابات والفيديوهات، ما دل على قدرة هذا الخطاب على تجاوز الحدود الجغرافية، وتحويل شخصية أبو عبيدة إلى رمز إعلامي وقيمي في الوعي الجمعي. الحدث لم يعد فقدانا فرديا بل انعكاسا لقوة الصورة الجمعية.

لغة الجسد وضبط الحضور

يرى مصطفى مسلم الخبير المصري في تحليل الشخصية ولغة الجسد، أن محدودية الحركة في لغة الجسد تعكس مستوى مرتفعا من ضبط الذات، خصوصا في بيئات الضغط. هذا النمط، وفق التحليل النفسي، لا يستهدف الاستعراض، بل تقليل التشويش، ما يسمح بتلقي الرسالة ضمن سياق صراعي شديد التعقيد.

ويوضح مسلم لصحيفة "فلسطين"، أن الوقفة المستقيمة لأبو عبيدة، والسكون النسبي يرسخان انطباع الثبات. ويتابع، في الوعي الجمعي، يقرأ هذا الثبات كقدرة على السيطرة على الانفعال، وهي سمة يميل الجمهور لربطها بالموثوقية، خاصة في الخطاب المرتبط بالحروب والصراعات الممتدة.

بحسب التحليل نفسه، فإن غياب الإيماءات الزائدة لدى أبو عبيدة يسحب الانتباه من الجسد إلى المضمون. هذا التحول ينسجم مع سياق فلسطيني اعتاد الخطاب المكثف، حيث تقاس قوة الرسائل بمدى اتساقها مع التجربة الجمعية لا بكثافة الأداء الجسدي.

ويشير مسلم إلى أن هذا الاقتصاد في الحركة يعزز الشعور بالسيطرة الداخلية، المتلقي، حتى خارج القطاع، يقرأ السلوك بوصفه دليلا على الانضباط الذهني، ما يخلق مساحة للتركيز على الرسائل العسكرية والسياسية دون تشتت الانفعالات.

التحليل النفسي يوضح أن السلوك الثابت يعكس قدرة على إدارة المعلومات الحساسة. في بيئة تتسم بالضغط الإعلامي والعسكري، يضمن هذا الأسلوب أن تبقى الرسالة واضحة ومستقرة، ويقلل من احتمالية تشويهها أو فهمها بطريقة غير دقيقة.

وفق مسلم، هذا النمط يعكس أيضا رسالة ضمنية للعدو والجمهور على حد سواء: الثبات يعبر عن قوة داخلية وقدرة على الصمود، بينما الاقتصاد في الحركة يظهر أن كل فعل مدروس، لا عفوي أو انفعالي.

إخفاء الوجه وتقليل التشويش العاطفي

ويؤكد الخبير الأردني خليل الزيود أن إخفاء ملامح الوجه يحد من قراءة الانفعالات، ما يقلل من التفسيرات المتناقضة لدى المتلقي. في علم النفس الاجتماعي، يعد هذا الأسلوب أداة فعالة لتوجيه التركيز نحو الفكرة بدل الشخص.

ويضيف الزيود في تخليله لشخصية الملثم، أن غياب التعبيرات الوجهية يمنع تشكل علاقة شخصية بين الجمهور والمتحدث، وهو ما يخدم خطابا يسعى لترسيخ المعنى لا الفرد. بذلك، تصبح الرسالة أكثر قابلية للتداول دون ارتباطها بمزاج أو انفعال لحظي.

على المستوى الجمعي، سمح هذا الأسلوب، وفق الزيود، بتوسيع دائرة التلقي، إذ يملأ كل متلق الفراغ بما يتوافق مع تجربته، ما يمنح الخطاب مرونة دلالية تجعله قابلا للاندماج في الذاكرة الوطنية.

إخفاء الوجه أيضا يزيد من عنصر الغموض المقصود، ما يحول الشخص إلى "وعاء للمعنى"، بحسب تحليل الزيود. الجمهور يعطي للرؤية الرمزية والرسالة محتوى أوسع من مجرد الملامح، مما يعزز التواصل النفسي مع الخطاب المقاوم.

الزيود يوضح في حديثه للتلفزيون الأردني عن شخصية أبو عبيدة، أن هذا الأسلوب يقلل من تأثير الانطباعات الفردية، ما يجعل التقييم الجماعي أكثر اتساقا. مشيرا أن التركيز على الكلمات والمضمون يخلق فهما أعمق لدى المتلقي، بدل الانجراف وراء الانفعالات العابرة.

الرمز البصري

ويشير مسلم إلى أن الرموز البصرية، مثل اللثام والكوفية، تعمل كاختزال معرفي يستدعي تاريخا وسرديات جاهزة. ويضيف، تكرار هذه الرموز ضمن سياق ثابت يحولها إلى علامة تفهم فورا دون حاجة إلى شرح إضافي.

وبحسب التحليل النفسي، فإن ثبات الرمز يعزز الاستمرارية الإدراكية. وكل ظهور يصبح امتدادا لما سبقه، ما يرسخ المعنى عبر التكرار المنضبط، ويمنح الخطاب قدرة على البقاء في الوعي الجمعي لفترات طويلة.

في السياق الفلسطيني، لا يعمل الرمز بوصفه عنصرا بصريا فقط، بل كأداة لإعادة إنتاج التجربة الجمعية، وهذا ما يجعل الخطاب ينتقل من كونه حدثا آنيا إلى جزء من سردية ممتدة مرتبطة بالهوية والصمود، وفق الخبير المصري.

ويشير مسلم إلى أن الرموز أيضا تسهل التفاعل على المنصات الرقمية، الصور الثابتة والمعالم الرمزية تنتشر بسرعة، وتسمح للجمهور بإعادة إنتاج الخطاب وفق خبراتهم وتجاربهم، ما يزيد من انتشار الرسائل وتأثيرها طويل المدى.

من زاوية تحليلية، الرموز تعمل على تعزيز الفكرة المركزية: الشخصية ليست الهدف، بل تمثيلها لقضية أكبر. هذه القدرة على التحول إلى علامة تجعل الجمهور يربط كل ظهور بسياق المقاومة الجامعة، ما يزيد من العمق النفسي للرسائل الصوت والسرد وبناء الثقة الجمعية.

ويوضح مسلم أن النبرة المتزنة والإيقاع المنتظم لأبو عبيدة يخلقان إحساسا باليقين لدى المتلقي، ويردف، هذا النمط يقلل المقاومة، ويعزز استقبال الرسالة بوصفها واضحة ومقصودة لا مترددة.

من جهته، يرى الزيود أن اللغة المختصرة والجمل الحاسمة حولت خطاب أبو عبيدة إلى وحدات سهلة التداول، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب ينسجم مع البيئة الإعلامية الحديثة، ويمنح الرسائل عمرا أطول داخل الفضاء العام.

ويتابع، السرد المركز يجعل الرسائل قابلة للتكرار بسهولة، وهو أمر مهم في الحرب النفسية. الجمهور لا يبحث عن التفاصيل الدقيقة بقدر ما يبحث عن الاتساق والثبات، وهو ما يوفر الشعور بالثقة والتصديق داخل الوعي الجمعي.

رمز دائم

ويشير مسلم إلى أن الجمع بين الصوت الثابت والسرد المكثف يسمح لخطاب المتحدث باسم القسام بأن يقرأ كتعليمات أو توجهات واضحة، ما يقلل من التكهنات حول النوايا ويزيد من التقدير الذهني للرسالة.

الزيود يؤكد أن هذا النمط يخلق توازنا بين المرونة والبساطة. إذ الرسالة تصل إلى كل متلقي بشكل مباشر، بينما تترك مساحة لتفسيرها ضمن تجربة كل جماعة أو فرد، ما يعزز ارتباط الجمهور بالخطاب.

عقب الإعلان عن استشهاد أبو عبيدة، أعادت الذاكرة الجمعية قراءة الخطابات السابقة للملثم ضمن إطار واحد متكامل. وفق التحليل النفسي الجمعي، لم يعد الخطاب أرشيفا، بل مرجعا دلاليا يستخدم لفهم الحاضر وربط الحدث بسياق المقاومة.

تكرار الخطاب بنفس القوالب الصوتية والبصرية يخلق نمطا مألوفا لدى الجمهور، ما يجعل كل ظهور لاحق امتدادا طبيعيا للسردية الجمعية، ويعزز من تأثيره النفسي والاجتماعي.

وفق مسلم والزيود، هذا النمط من البناء الاتصالي يحول المتحدث من مجرد شخصية إلى رمز دائم. الجمهور يرى في الرمز انعكاسا لتجربته وقضاياه، ما يجعل تأثيره مستمرا حتى بعد غياب صاحب الشخصية.

ويتفقان على أن هذه السمات تؤدي إلى شخصية تتحول إلى علامة ذهنية في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، ويمتد تأثيرها لما هو أبعد من الفرد إلى المجتمع ككل.

المصدر / فلسطين أون لاين