لم يكن السابع من أكتوبر 2023 يوما عاديا في حياة الفلسطينيين، ولا مجرد تاريخ عابر في سجل الصراع مع الاحتلال، بل كان اليوم الذي اختار فيه الشهيد رائد كامل مرتجى أن يترجم لغته العربية التي عشقها، وقرآنه الذي حفظه في صدره، إلى فعل مقاوم أذهل العالم بأسره.
رائد، القائد في "كتائب القسام"، لم يكتفِ بتدريس الحروف ونحو الكلام، بل كتب بالرصاص والبارود أبجدية التحرير فوق تلال الأرض المحتلة، معلنا بدمه أن العودة حق لا يسقط بالتقادم.
بصوت يملؤه الفخر الممزوج بمرارة الفقد وكبرياء الصابرين، يتحدث الحاج كامل مرتجى (60 عاما)، الموظف في سلك التعليم، لصحيفة "فلسطين" عن نجله الشهيد. يقول والحنين يغالب كلماته: "رائد لم يكن مجرد ابن، كان رفيق دربي وسندي ومصدر فخري في المجالس، نشأ منذ نعومة أظفاره في رحاب بيوت الله، فتعلق قلبه بالمساجد حتى أصبح حافظا لكتاب الله بتممه، حاصلا على السند المتصل عن رسول الله، ومحفظا للأجيال في مسجد الفاروق، يبث في نفوسهم معاني العزة والكرامة التي استقاها من آيات الذكر الحكيم".
ويضيف الحاج كامل واصفا شخصية نجله: "تخرج رائد من الجامعة الإسلامية بغزة بتخصص اللغة العربية، فكان بليغ اللسان، دمث الخلق، تميز بتواضعه الشديد الذي جعل الصغير قبل الكبير يحبه ويحترم حضوره، كان بشوش الوجه دائما، لا تفارق الابتسامة ثغره حتى في أحلك الظروف والمهمات، وكأنه كان يستبشر بنصر الله أو لقائه".
وعن لحظة الوداع، يصف الوالد الموقف المهيب: "زفته غزة في جنازة رهيبة ومشهودة، وكأن الأرض كانت تودعه وهي تعلم ثقل الأمانة التي حملها فوق عاتقه كأحد أبطال العبور في السابع من أكتوبر المجيد، حيث أثخن في أعداء الله دفاعا عن مقدساتنا وكرامة أمتنا".
الشهيد رائد (32 عاما)، الذي رحل تاركا خلفه زوجة صابرة وطفلين هما حمزة (3 سنوات) وأويس (سنتان)، كان مثالا للأب الحنون والابن البار، أما والدته الحاجة "أم رائد"، الصابرة المحتسبة، فتتحدث لصحيفة "فلسطين" والدموع تترقرق في عينيها، لكنها دموع العزة لا الانكسار: "ابني رفع رأسي عاليا في الدنيا والآخرة، كنت أراه وهو يستعد للمهمات، كنت أشعر بصدقه مع الله في كل حركة وسكون، كان دائما يحرص على رضاي، يساعدني في شؤون البيت، ويخاف على مشاعري كأنني جوهرة يخشى عليها من الخدش، فكان نعم الابن ونعم الصديق".
وتكشف "أم رائد" عن أمنية كانت تلازم رائد دوما: "كان قلبه معلقا بالأسرى خلف القضبان، يتأثر جدا بمعاناتهم وقصص صمودهم، وكانت أمنية حياته أن يراهم أحرارا بين أهلهم، لقد انطلق في العبور وهو يضع نصب عينيه كسر قيدهم، فكان مجاهدا وفيا لقضيتهم حتى نال ما تمنى".
وعن تلقي نبأ استشهاده، تؤكد هي ووالده أنهما استقبلا الخبر برباطة جأش قل نظيرها، فقد كانا يتوقعان هذه الشهادة في كل حين، لعلمهما بشجاعته وإقدامه في صفوف النخبة، فما كان منهما إلا السجود شكرا لله على هذا الاصطفاء.
وتختم والدته حديثها: "أنا راضية عنه تمام الرضى، وراضية عن كل فعل قدمه لله وللوطن، ابني وهب روحه رخيصة في سبيل الله، وما فعله في السابع من أكتوبر هو تاج عزة أضعه على رأسي ما حييت، لقد اختاره الله ليكون بجانبه شهيدا حيا".
رحل رائد مرتجى، المعلم والمحفظ والمجاهد، تاركا خلفه سيرة عطرة تفوح برائحة المسك، وهو الذي جمع ببراعة بين "القلم والبندقية"، وبين "المحراب والميدان"، واليوم، يفتقده منبر مسجد الفاروق وتفتقده حلقات العلم، لكن ذكراه ستبقى نابضة في عيون طفليه "حمزة وأويس"، وفي كل رصاصة أطلقها أبطال العبور نحو شمس الحرية.

