فلسطينيات أرّخن أحداث وتقلبات الماضي بالتطريز

الثوب الفلسطيني يروي تاريخ حضارات العالم بين جنباته

...
صورة أرشيفية
غزة - عبد الله التركماني

على مر العصور كان الثوب الفلسطيني يؤرخ لكافة حضارات العالم التي مرت في بلاد الشام بشكل عام وفلسطين على وجه الخصوص، فكانت الرسوم والنقوش على هذا الثوب تتطور مع مرور الزمن لتحدثنا عن أحداث تاريخية عاشها الفلسطينيون القدماء الذين خالطوا معظم الحضارات التاريخية المختلفة.

جيل بعد جيل انتقل هذا الثوب من الأجداد القدماء إلى الأحفاد العصريين، ومن رمزيته كتراث قديم، أصبح الثوب الفلسطيني موضة تجاريها النساء الفلسطينيات في هذا الزمن لجماله الذي تعكسه المطرزات والزخارف التي تزينه وتسود كافة أجزائه بشكل يميزه عن بقيه الأثواب والموديلات والموضات الأخرى.

ورغم قلة المحلات التجارية المتخصصة في تطريز وبيع هذا الثوب، إلا أن مهنة التطريز وصناعة الثوب الفلسطيني باتت توفر فرصة عمل ومصدر دخل للنساء الفلسطينيات اللاتي يعتبرن هذه المهنة وسيلة لمساعدة أزواجهن في إعالة الأسرة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة.

إحياء التراث

من بين تلك النسوة، خديجة عثمان (48 عاماً) التي بدأت بالعمل في مجال تطريز الأثواب الفلسطينية القديمة منذ نحو عشرة أعوام، بعد أن بات زوجها الذي كان يعمل عاملاً داخل فلسطين المحتلة عام 1948، عاطلا عن العمل.

تقول عثمان التي ترعى محلاً تجارياً في حي الرمال وسط مدينة غزة: "إن تكلفة تطريز الثوب الفلسطيني كبيرة، تصل إلى 100-300 دولار، وهذا يقدر بحسب حجم العمل و"الشغل" الذي يحتويه الثوب من مطرزات، فهذه المهنة صعبة للغاية وتتطلب صبراً وقدرة تحمل كبيرة".

وأوضحت أن النساء اللواتي يطرزن الأثواب الفلسطينية العصرية، لا يمتلكن أي خبرة عن الأشكال التي كانت تحتويها الأثواب القديمة والتي ترمز وتعبر عن مدلولاتٍ تاريخية مهمة، مشيرةً إلى أن إقبال الفتيات الصغيرات في السن على تطريز الثوب الفلسطيني دون دراية وخبرة بأشكال وأنماط هذه الأثواب، جعل الثوب العصري عشوائيا ولا يمت بصلة إلى الأثواب القديمة.

وبيّنت عثمان أن الأثواب القديمة كانت تأخذ ثلاثة أنماط، وهي الساحلية والجبلية والصحراوية، معتبرةً أن النمط الصحراوي هو الأكثر تعقيداً لكثرة المطرزات في جنباته، حيث كانت المرأة البدوية تمتلك وقتاً فارغاً أكبر من المرأة الساحلية التي كانت تنشغل في فلاحة الأرض مع زوجها.

وتشتكي المرأة من فتور العلاقة بين الفلسطينيات العصريات والثوب الفلسطيني القديم، والذي انعكس على سلبية الاقبال على شراء واقتناء هذا الثوب الذي يحتفظ بين طياته بتاريخ وحضارة فلسطين القديمة، مشيرةً إلى أن انشغال المواطنين في توفير الاحتياجات الحياتية الضرورية "جعل الاهتمام بالتاريخ والتراث خلف ظهورهم".

فيسبوك.. منصة للترويج

كما وظفت النساء الفلسطينيات موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" من خلال إنشاء صفحات خاصة للترويج للثوب الفلسطيني ولإعادة إحيائه في نفوس الفلسطينيات، وللحفاظ عليه من الذوبان.

تقول مريم خليفة (29 عاماً) التي تروج لأعمالها التطريزية عبر "فيسبوك" لـ"فلسطين": "إلى جانب أن التطريز بات يعد مصدر رزق للكثير من النساء، إلا أن ثمة أهدافا أقوى لاستخدام فيسبوك في الترويج لأعمالنا، وهو مقاومة سرقة الاحتلال الإسرائيلي للتاريخ الفلسطيني، فهذا الكيان سرق أرضنا وقتل شعبنا وشرده، ومن ثم نهب الموروث الثقافي الخاص بنا بكل صفاقة ووقاحة من أجل منح الشرعية لسرقته التاريخية لماضينا وحاضرنا ومستقبلنا".

وبيّنت خليفة أن الاحتلال الإسرائيلي أحدث ثغرة كبيرة بين الأجيال الفلسطينية بسبب الحروب والنكبات التي ألحقها بشعبنا والتي حولته من مجتمع مهتم بالفنون والتراث إلى مجتمع يبحث عن لقمة العيش فقط، الأمر الذي جعل الجيل الحديث مغيباً عن الماضي الفلسطيني.

وأوضحت أن تطريز الثوب الفلسطيني يستغرق وقتاً طويلاً يصل إلى خمسة أو ستة أشهر بحسب النقوش والرسومات الموجودة على الثوب، مشيرةً إلى أن الأجيال الشابة لا يقبلون باقتناء الثوب الفلسطيني على هيئته القديمة، بل يريدون إضفاء لمسات الموضة والحداثة عليه مثل التضييق والتخصير, الأمر الذي أخرج الثوب الفلسطيني عن هيئته الحقيقية.

تاريخ الثوب الفلسطيني

وعن تاريخ الثوب الفلسطيني، يخبرنا المتخصص في التاريخ والتراث الفلسطيني ناصر اليافاوي، بأن الثوب الفلسطيني نشأ في ظلال الحضارة الفينيقية الكنعانية في الألف الثالث قبل الميلاد، وكان يصنع من لونين فقط هما الأبيض والأسود وكان خاليا من النقوش والأشكال المختلفة.

وقال اليافاوي لـ"فلسطين": "كان يصنع الثوب الفلسطيني في منطقتين فلسطينيتين هما عكا وعسقلان وكانت فلسطين تصدر الأثواب إلى حضارات بلاد الشام وبلاد الرافدين وغيرها. وفي منطقة عكا تحديداً بدأ إدخال اللون الأحمر أو الأرجواني؛ الذي تم اكتشافه في فلسطين.

وكان الأغنياء فقط من يرتدون أثواباً بهذا اللون بسبب غلائه، لذلك اعتبر هذا اللون تقليداً يُوضع أمام كبار الشخصيات التي تزور البلاد (البساط الأحمر) وأُخذ التقليد في لبس القساوسة ورجال الدين المسيحيين".

وأوضح أن فلسطين كانت عبارة عن جسر وقنطرة مرت عليها حضارات العالم كافة مثل الأرمينية والفارسية والاغريقية والرومانية واليونانية والإسلامية وغيرها، وامتزج الثوب بمظاهر الحضارات كافة، لذلك يعتبر الثوب انعكاسا لحضارات قديمة مرت على أرض فلسطين.

وأضاف اليافاوي:"كانت مختلف أنماط الحياة في فلسطين لديها ثوب خاص، ونسخ من طبيعة الحضارات التي كانت توجد في فلسطين آنذاك، فلو لاحظنا أن جزءا من الشجر والثعابين كان لها علاقة بالحضارة الكنعانية القديمة وقصة الثعبان وسيدنا موسى، ومع مجيء الحضارة الإسلامية أصبح هناك ميول نحو اللباس المتكامل ويغطيه غطاء الرأس والبرقع، حيث كانت المرأة الغنية تضع النقود من الفضة والذهب على البرق، أما المرأة البسيطة فكانت تضع نقودا محلية الصنع ورخيصة".

وبيّن أن طبيعة الثوب كان له علاقة بتطور البعد الثقافي والحضاري والتاريخي للمنطقة، وأصبح له مدلولات اقتصادية، "فلو نظرنا لثوب الساحل مثل المجدل وحمامة ويافا، سنجد فيه بساطة مطلقة حيث كان عبارة عن خطين مطرزين بشكل خفيف جداً وذلك لانشغال المرأة المطلق مع زوجها في العمل".

وتابع اليافاوي:"أما في المنطقة الشرقية لفلسطين مثل القدس والخليل وبئر السبع والحضارة البدوية، فكان الثوب أكثر تعقيدا وامتزاجاً بكافة المنحنيات والمنعطفات الدينية والاقتصادية والسياسية التاريخية، حيث كانت المرأة تذهب صباحاً لرعي غنمها في الصحراء وتنشغل في إعداد الثوب لساعات طويلة وبتطريز معقد وتضع به أشكالا تمزج بين الحضارة البدوية والبعد الاقتصادي".

كما لفت اليافاوي النظر إلى أن اللون المستخدم في تطريز الثوب الفلسطيني كان يدل على دلالات مختلفة، فاللون الأصفر كان يدل على غيرة المرأة على زوجها، والأحمر على حبها له، أما اللون الزهري فكان في سبيل مناكفة النساء الأخريات وخاصة في حال كان لها ضرة في المنزل".

وأكمل اليافاوي حديثه عن نمط ثوب ولباس المرأة الفلسطينية القديمة وقال: "كانت المرأة قديماً تضع على وسطها حزاماً وبه حجر أبيض اللون يسمى حجر القبلة، وهذا موجود فقط في تراث فلسطين، وهو يدل على أن المرأة تعيش حياة سعيدة مع زوجها وأن هناك توافقا في العشرة الزوجية، وإذا خلعت المرأة هذا الحجر يعني أنها أصبحت مطلقة".

وبيّن أن الثوب الفلسطيني مر بمراحل عديدة عرضته للذوبان، بدءا بالانفتاح على الثوب الخليجي مطلع القرن التاسع عشر الذي طغا على الثوب الفلسطيني رغم أن الأخير أرقى كثيراً من الخليجي.

وأضاف الخبير التاريخي: "كما أن الزي التركي في سواحل يافا وطبريا وحيفا كان طاغياً تأثراً بالثقافة التركية والخلافة التركية؛ حيث كانت المرأة تلبس التنورة تحت الركبة وعليها جاكيت من الطراز التركي وتضع على وجهها الخمار، وهذا مزيج بين التمدن والحضارة الأوروبية والتراث الفلسطيني القديم".

وأكد أن الاختفاء القسري للثوب الفلسطيني بدأ مع بداية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، حيث انشغل المجتمع الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وبات التطريز والفنون في آخر الأولويات.