حكاية عائلة "أبو شمالة" تسرد محطاتها مع نكبات الوطن

...
الجدة آمنة وابنها يوسف وحفيدها سامي
رفح - ربيع أبو نقيرة

جاء المخاض للسيدة آمنة أبو شمالة من مواليد عام 1927، لولادة ابنها البكر حسن، عام 1948، الذي شهد احتلال اليهود لأرض فلسطين بقوة السلاح والتهديد وارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين العزل.

الذاكرة لم تسعف المسنة أبو شمالة لسرد التفاصيل الدقيقة لما حدث مع عائلتها في ذلك العام حينما هاجرت من قريتها بيت دراس إلى منطقة وسط غزة، ثم إلى جنوبها، لكنها تُحدّث أبناءها وأحفادها الملتفين حولها عن جمال البلاد وروعتها والحياة الهانئة التي عاشتها فيها. وتذكر آمنة التي شارفت على إكمال تسعة عقود من عمرها، ذلك العام -1948-، حينما ولدت بكرها حسن، أثناء هروبها من نار الحرب والمجازر، قائلة: "تعرضت القرية لعدد من الهجمات التي نفذتها عصابات صهيونية، وارتقى عدد كبير من الشهداء وأصيب عشرات الجرحى".

وتوضح أن أهالي القرية لم يستسلموا لقوة الصهاينة ولم يتركوا القرية، بل دافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة، وساعدهم الثوار من القرى المجاورة في صد الهجمات، مشيرة إلى أنه "عندما اشتدت المواجهات والقصف المدفعي على القرية أمر المسلحون من الثوار بخروج الأطفال والنساء منها لتفادي وقوع خسائر أكبر".

وتقع القرية الفلسطينية بيت دراس إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة، وتبعد عنها 32كم، وترتفع 50 مترا عن سطح البحر، فيما تبلغ مساحة أراضيها 16357 دونما وتحيط بها أراضي قرى المجدل والسوافير الشمالي والغربي، والبطاني الغربي والبطاني الشرقي، وأسدود، وحمامة.

وتقول: "خرجنا من القرية فوجدنا أهل القرى المجاورة ترحل"، مضيفة: "اليهود نسفوا البيوت كلها، ولم يبق إلا المسجد، وكان مقابلا لدار أهلي"، موضحة أن معظم منازل القرية كانت مصنوعة من الطين في ذلك الوقت.

وتشير أبو شمالة إلى أن طريق الهجرة من بيت دراس إلى مخيم البريج وسط غزة، كانت في معظمها مشيا على الأقدام، قائلة: "خرجنا بأثوابنا التي علينا ولم نصحب معنا شيئا، على أمل العودة في أقرب وقت، لكن هدم المنزل جعل الأمر معقدا".

وعند سؤالها عن طبيعة الحياة في بلدتها الأصلية بيت دراس قالت: "البيوت كانت من طين، لكن كنا عايشين، كنا سعداء ومبسوطين"، مشيرة إلى أنه كانت لأهلها وذويها ست بيارات مزروعة بالحمضيات مرصوصة بجانب بعضها، يأكل من خيراتها أهل القرية والقرى المجاورة.

وتابعت أبو شمالة: "بئر المياه كان يسقي كل يوم إحدى البيارات، وكان الأهالي موفقين بذلك"، مضيفة وهي تتملكها الحسرة: "ذلك العام سقطت الثمار عن الأشجار ولم يأخذها أحد".

جاي يا ناس جاي

ولم تخف روح المحبة والتعاون والتآلف التي كانت سائدة في ذلك الوقت، واصفة يوم زواجها بالجميل جدا، وتهلل وجهها الممتلئ بتجاعيد الزمن لتقول: "ركبوني على الحصان، ولبست الثوب المطرز والورد يملأ المكان،.. فرح حلو، الدبكة والغدا والذبائح وجاي يا ناس جاي".

أما ابنها يوسف جبريل محمد أبو شمالة من مواليد عام 1956 الذي عايش النكسة في عام 1967، فيوضح أنه كان مع عائلته يسكن في بلوك O في رفح، اضطروا لحفر خندق صغير في الأرض يحميهم من القصف والنار.

ويقول: "عندما تهدأ الأمور كنا نخرج من الخندق، وعندما تشتد الحرب كنا نعود إليه لنحتمي به"، مشيرا إلى ارتقاء شهداء وجرحى من الجيران في المخيم، مستذكرا في ذات الوقت مشاهد لم تغادر ذاكرته مثل إعدام جيش الاحتلال مجموعة من الفدائيين أمام عينيه قرب عيادة الوكالة. ويتمنى يوسف العودة إلى بلدته الأصلية التي حدثته عنها والدته، وزيارة جميع المدن الفلسطينية، قائلا: "لا حياة بلا وطن، ومن يفرط بوطنه يفرط بحياته".

وعبر عن قناعته بأنه "قبل المطالبة بتحرير الوطن يجب إزالة الانقسام وتوحيد الصفوف"، قائلا: "نحن مع جميع أشكال المقاومة من أجل تحرير الوطن".

وفي ذات المجلس، أوضح حفيد المسنة آمنة، سامي حسن أبو شمالة (40عاما) أن النكبة الثالثة لشعبنا بالنسبة له هي الانقسام الفلسطيني، داعيا المقاومة الفلسطينية لإبقاء بندقيتها صوب الاحتلال الإسرائيلي فقط.

ويشير إلى أن الانتفاضة عام 1987 أعادت البوصلة الفلسطينية نحو الاتجاه الصحيح، خاصة أن العهد الذي سبقها افتقد فيه الناس للبعد الوطني والديني، مستذكرا مشاهد المعاناة والظلم التي ارتكبها الاحتلال بحق أبناء شعبنا.

وختم حديثه بالقول: إن الحروب الثلاث الأخيرة على قطاع غزة، "فرضت علينا عنوة، وكان من الواجب علينا أن ندافع عن أنفسنا، رغم التخاذل العربي والدولي"، مشددا على أن أم النكبات هي حادثة الانقسام الفلسطيني.