فلسطين أون لاين

تقرير أُبيدوا معًا.. حكاية عائلة شُطبت من الوجود

...
عائلة الشهيد عبد الله فايد
غزة/ هدى الدلو:

في خضمّ الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، لا تُقتل العائلات فحسب، بل يُمحى وجودها القانوني أيضًا؛ إذ تُشطب عائلاتٌ كاملة من السجل المدني، وكأنها لم تعش يومًا.

من بين هذه العائلات، عائلة شيماء أنور الحافي، وزوجها عبدالله أيمن فايد، وطفلاهما مروى وأيمن، الذين استُشهدوا معًا بعد استهداف المنزل الذي نزحوا إليه في مخيم النصيرات أواخر آب/أغسطس 2025.

تتحدث إيمان الحافي، شقيقة شيماء، عن أختها قائلة إنها كانت امرأة هادئة، طيبة القلب، قليلة الكلام، كرّست حياتها لأسرتها الصغيرة. اعتادت قراءة القرآن بصمت، والاهتمام بأدق تفاصيل طفليها، ساعيةً إلى خلق مساحة أمان داخل بيتٍ يحيط به الخوف من كل اتجاه.

أما زوجها عبدالله فايد، المعروف بين أقاربه بلقب “أبو أيمن”، فقد نشأ في عائلة فلسطينية دفعت ثمنًا باهظًا في وقت مبكر؛ ففي 15 شباط/فبراير 2008، قُصف منزل العائلة، ما أدى إلى استشهاد والديه وثلاثة من إخوته، ليجد عبدالله نفسه، وهو في سن صغيرة، مسؤولًا عن رعاية بقية أفراد الأسرة.

زواج وصبر طويل

تزوّج عبدالله من شيماء الحافي، التي تصفها العائلة بأنها “نقية القلب، جميلة الروح، وصابرة على الألم”. وبعد سنوات من المعاناة والعلاج، رُزق الزوجان بطفلتهما الأولى عن طريق الزراعة، وأطلقا عليها اسم مروى، تيمنًا بوالدة عبدالله الشهيدة مروى عزام أبو زايد.

وبعد تسع سنوات، رُزقا بطفلهما الثاني أيمن، الذي حمل اسم والد عبدالله الشهيد أيمن، في امتداد رمزي لسلسلة الفقد التي رافقت العائلة.

وعند استشهاد الأسرة، كانت مروى تبلغ من العمر 11 عامًا، فيما لم يتجاوز عمر أيمن عامين.

النزوح الأخير

مع اندلاع حرب الإبادة الجماعية على غزة، اضطر عبدالله وعائلته إلى النزوح من محيط مخيم البريج، لقربه من المنطقة الشرقية، شأنهم شأن آلاف العائلات الفلسطينية. واستقروا في مخيم النصيرات داخل منزل عائلة زوجته، بيت أنور الحافي، بحثًا عن مأوى أكثر أمانًا.

لكن في 28 آب/أغسطس 2025، استُهدف المنزل بشكل مباشر دون أي تحذير مسبق، وبعد نحو نصف ساعة فقط، تأكد استشهاد عبدالله وشيماء وطفليهما جميعًا، لتُمحى الأسرة بالكامل في لحظة واحدة.

تضيف إيمان، التي تعيش في بلاد الغربة: “تم انتشال جثامينهم في الساعات الأولى، فيما انتُشلت جثامين أخرى لنازحين كانوا في المنزل صباح اليوم التالي. لم أكن حاضرة، بل كنت أتلقى الأخبار عبر المعارف ووسائل التواصل. كانت الساعات الأولى ثقيلة إلى حد لا يوصف، مزيجًا من الصدمة والذهول والخوف، كنت أبحث بيدي المرتجفتين بين المجموعات عن اسم أعرفه؛ من رحل ومن بقي”.

ومنذ اللحظة التي علمت فيها باستشهاد شيماء مع طفليها وزوجها، تذكّرت قولها الدائم: “إمّا أن نذهب معًا، أو نبقى معًا”. وقد حدث ما كانت تقوله. لكن شطب الاسم، بعد تحققه، ليس مجرد إجراء رسمي، بل محاولة لمحو وجود عائلة كاملة من الذاكرة، وهو ما يرفضه العقل والقلب والروح والجسد.

وتقول أم معاذ دويدار، شقيقة والد عبدالله أيمن فايد: “عندما يتألم القلب يتحدث… حبيبي وقرة عيني، كان بارًا صالحًا، واصلًا كريمًا. ابن قلبي الشهيد بإذن الله عبدالله. وقع خبر استشهادهم علينا شديدًا، لكننا حمدنا الله واحتسبنا وصبرنا رغم شدة الألم. فهذه أرض رباط وجهاد، ولا بد من ثمن، نحتسبهم عند الله شهداء أحياء عند ربهم يُرزقون”.

وتضيف أن العائلة لم تتمكن من توثيق أسمائهم وقصتهم رسميًا بسبب ظروف الحرب، “لكنهم حاضرون في وجداننا وقلوبنا ما حيينا”.

أما عن أثر الفقد على من تبقى، فلم يبقَ لعبدالله سوى ثلاثة إخوة، يعيشون اليوم في خيام نُصبت قرب منزلهم المدمر، الذي تعرض للقصف أكثر من مرة. أطفال العائلة، الذين شهدوا المذبحة وحضروا الجنازة، يعيشون حالة خوف دائم، يتحدثون باستمرار عن القصف والموت، ويخشون أن يلقوا المصير ذاته الذي لقيته مروى وأيمن.

وتشير إيمان إلى أنه رغم استشهاد العائلة، لم تُسجَّل أسماؤهم بشكل رسمي في ظل الفوضى التي خلّفتها الحرب، ما جعلهم عمليًا عائلة “ممحوة” من السجل المدني. غير أن الذاكرة الشعبية والعائلية لا تزال تحفظ تفاصيل حياتهم وصورهم وأسماءهم، في مواجهة محاولات الطمس.

وتوجّه إيمان رسالة إلى العالم بعد فقدان عائلة بأكملها: “المشهد واضح، والكارثة كبيرة… لا تعتادوا. فهؤلاء ليسوا أرقامًا، بل عائلات لها أسماء ووجوه وأحلام. الصمت عن محو العائلات شراكة في الجريمة، ونطالب على الأقل ألّا تُمحى ذاكرتهم كما مُحي وجودهم، أما المطلب الأصعب فهو الوطن”.

وتختتم دويدار شهادتها برسالة إلى أحرار العالم: “نحن شعب يحب الحياة، ويسعى لنيل حريته، ويدافع عن حقه في العيش بكرامة وأمان. نطالب بتوثيق جرائم القتل البشعة، وفضح محاولات طمس الهوية وتهجير شعبنا، ودعم صمودنا بكل الوسائل”.

فشيماء الحافي وعبدالله فايد وطفليهما ليسوا استثناءً، بل نموذجًا لعائلات فلسطينية كاملة مُسحت من السجلات، لكنها ما زالت حيّة في الذاكرة، شاهدة على ثمن الحياة تحت الاحتلال، وعلى إنسانيةٍ لا تستطيع الحرب محوها.

 

المصدر / فلسطين أون لاين