كانت تصرخ من داخل غرفة مشتعلة: "طلعوني أنا وأولادي"، وكانت النيران تلتهم المكان، في حين تحاول الأم الزحف بعيدًا عن ألسنة اللهب. حينها كان رجل الدفاع المدني عبد الله المجدلاوي، ورفاقه يحاولون بشتى السبل وبأدوات بسيطة استخراجهم، لكن دون جدوى، فالنار كانت تلتهم كل شيء.
يقول المجدلاوي، إنهم حاولوا الاقتراب مرارًا، لكن الحرارة كانت شديدة إلى درجة جعلت أجسادهم تتراجع بالرغم من صرخات المرأة واستغاثتها، فمدّوا خراطيم المياه، وبدؤوا بإخماد النيران، بحثًا عن منفذ يقودهم إلى الأم وطفليها.
ويضيف المجدلاوي لصحيفة "فلسطين": "من نافذة الغرفة المجاورة، تمكنت من الوصول إلى مكان أقرب. كسرت النافذة وأمسكت يد المرأة التي كانت تزحف باتجاه المياه، محاولًا إخراجها من النار، فالتصقت النيران بقفازي وأصابت يدي، لكنني واصلت سحبها حتى أخرجها من الغرفة، ليبدأ بعدها البحث عن الطفلين".
وسط الأثاث المحترق والركام، وجد المجدلاوي، جثمان طفل متفحم وبجواره شقيقته. يقول: لم أستوعب أني أمام جثماني طفلين اختلط جسداهما بمخلفات الحريق.
وبعد ساعات، وصل الخبر الذي لم يكن ينتظره: "الأم من عائلة حسونة، فارقت الحياة متأثرة بإصابتها، ليبقى المشهد عالقًا في ذاكرته، لا بوصفه مهمة إنقاذ انتهت، وإنما واحدة من أكثر اللحظات قسوة التي عاشها خلال سنوات عمله في الدفاع المدني".
رضيع بين الأنقاض
لكن مشهدًا آخر ظل حاضرًا في ذاكرته بصورة مختلفة؛ رضيع عالق تحت أنقاض منزل في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وقد استغرقت محاولة الوصول إليه نحو سبع ساعات، كان رجال الإنقاذ خلالها يتتبعون بكاءه وأنينه بين طبقات الركام.
ويكمل المجدلاوي حديثه: "كلما توقف الصوت، غيّرنا مكان الحفر، بحثًا عن الطفل، وبعد ساعات من العمل وصلنا إليه، لكن وجدناه وقد فارق الحياة".
ويشير بحزن ارتسم على وجهه، إلى أن امتلاك معدات إنقاذ مناسبة كان يمكن أن يمنح الطفل فرصة أكبر للنجاة.
هذان المشهدان يلخصان جانبًا من تجربة عبد الله المجدلاوي، الذي يعمل في جهاز الدفاع المدني منذ عام 2019، والذي اختار المهنة من أجل إنقاذ المواطنين وحماية أرواحهم، بالرغم من المخاطر التي تحيط بأفراده.

وعندما اندلعت حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وجد المجدلاوي، نفسه أمام واقع مختلف تمامًا، فلم تعد مهماته تقتصر على الحرائق والحوادث، بل أصبحت تشمل الدخول إلى مناطق تعرضت للقصف، والبحث عن ناجين بين أطنان الركام، وانتشال جثامين الضحايا.
ويقول المجدلاوي: إن "طواقم الدفاع المدني تعرضت للاستهداف المتكرر، وأدى ذلك إلى ارتقاء شهداء وإصابة آخرين".
ويستذكر إحدى المهام التي شارك فيها مع عدد من زملائه، ثم عاد الفريق بعدد أقل بعدما استشهد بعض أفراده في مهمة لإنقاذ الآخرين.
وفي إحدى المرات، تعرض مركز الدفاع المدني في حي التفاح، شرقي مدينة غزة، وفق المجدلاوي، لقصف مباشر أدى إلى استشهاد خمسة من زملائه. وفي مهمة أخرى، استُهدفت الطواقم في أثناء إنقاذ سيدة، واستشهد زميله علي عمر الله، وأصيب آخرون.
وكان المجدلاوي يخفي هذه التفاصيل عن عائلته، خصوصًا والدته، حتى لا تعيش تحت وطأة الخوف، فكانت تتابع الأخبار باستمرار، تبحث عن اسمه أو صورته، وتحاول معرفة ما إذا كان بخير بعد كل استهداف.
أما هو، فكان يواصل عمله، ويحاول أن يقنع أسرته بأن وجوده في الدفاع المدني هو لأجل إنقاذ الناس، لكنه في داخله كان يحمل خوفًا مختلفًا؛ خوف رجل يعرف أن المهمة التالية قد تكون الأخيرة.
وتابع حديثه: أنه في أثناء انتشال المدنيين من تحت الأنقاض، كان يجد أحيانًا ذخائر إسرائيلية غير منفجرة على بعد أمتار قليلة منه، فكان ينظر إليها، ثم يعود إلى عمله، لأن هناك شخصًا عالقًا ينتظر من يخرجه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
آثار عالقة في الذاكرة
وفي إحدى عمليات الإنقاذ وجد نفسه تحت الأنقاض، مهددًا بسقوط سقف خرساني فوقه، فحاول اتخاذ إجراءات بدائية لحماية نفسه، وظل يعمل بالرغم من إدراكه أنه عالق بين احتمالين؛ إنقاذ شخص آخر أو أن يصبح هو نفسه ضحية.
ويتابع المجدلاوي أن الحرب لم تدمر المنازل فقط، بل تركت آثارها في ذاكرة رجال الدفاع المدني، فأصوات الأطفال، وصرخات الأمهات، ووجوه الضحايا، والشوارع التي شهدت عمليات الإنقاذ، تحولت إلى صور يصعب التخلص منها.
ومضى يقول والحزن بارز على وجهه: إن صوت الطفل الذي كان يقول لي: "عمو طلعني"، يتردد في ذاكرتي، ثم تتبعه أسئلة أخرى: لماذا قُصف البيت؟ ولماذا مات الأطفال؟ ولماذا لم نستطع الوصول إليهم في الوقت المناسب؟".
وبينما يحاول المجدلاوي، مواصلة حياته، يجد أن كثيرًا من شوارع غزة، أصبحت مرتبطة لديه بذكريات مؤلمة.
وأكمل أن رجل الدفاع المدني يبدو أمام الناس شخصًا لا يخاف، لكنه في الحقيقة يحمل داخله خوفًا وصراعًا نفسيًا لا يراه أحد.
ورغم كل ذلك، يتمسك المجدلاوي، بعمله، ويعتبر إنقاذ الأرواح واجبًا لا يستطيع التخلي عنه، مطالبًا بتوفير المعدات والآليات ووسائل الحماية اللازمة لطواقم الدفاع المدني، مؤكدًا أن نقص الإمكانات جعل الوصول إلى كثير من الضحايا أكثر صعوبة.
وخاطب المجدلاوي العالم قائلاً: "رسالتنا إلى العالم أننا بحاجة إلى حماية رجال الدفاع المدني، وتوفير المعدات التي تمكننا من إنقاذ الأرواح وانتشال الشهداء من تحت الأنقاض، فالعائلات لا تريد سوى معرفة مصير أبنائها ودفنهم بكرامة".


