في التاريخ رجال كبار بأعمارهم، ورجال أكبر بمواقفهم، وبين هؤلاء فتيان صغار تجاوزت همتهم أعمارهم، فثبتوا في مواطن الشدة، وبقيت مواقفهم شاهدة عليهم.
ومن أكثر تلك الصور دلالة أسامة بن زيد رضي الله عنه، حِبُّ رسول الله ﷺ؛ الفتى الذي تعلق قلبه بالمشاركة مع المسلمين، فتقدم يوم أُحد راغبا في القتال، فرده النبي ﷺ لصغر سنه.
عاد أسامة وعيناه تفيضان بالدمع، لأنه كان يرى في نفسه أهلًا للمشاركة، ثم أُجيز له لاحقا وهو في الخامسة عشرة، فشارك في مؤتة إلى جانب أبيه زيد بن حارثة، حتى بلغ من الثقة به أن جعله رسول الله ﷺ قائدا لجيش، فيه كبار الصحابة.
ومن هنا تأتي حكاية «ظريف الطول»؛ نافذة بين زمنين، نستحضر فيها صورة الفتى الذي تجاوز عمره، ونضع إلى جوارها صورة ابن غزة صهيب اللباد، ابن السادسة عشرة، الذي ظهر خلال معركة طوفان الأقصى كأصغر من ظهروا في مشاهد القتال.
ليست الحكاية بحثا عن تطابق بين الرجلين أو بين الزمنين، وإنما استحضار لصورة الفتى الذي فاق عمره بسنوات، ليصبح رجل أمة؛ صورة عرفناها من سيرة أسامة بن زيد، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، ممن ارتبطت سيرهم بمواقف مبكرة تجاوزت أعمارهم؛ في سبيل رفعة دينهم.
ما بين أسامة، قائد جيش المسلمين إلى الشام، وصهيب اللباد ابن غزة المحاصرة، يظهر فتى الطوفان في زمن مختلف تمامًا من خلال صور ومقاطع متداول له خلال المعركة، فتى بملامح الأبطال؛ في مشهد يختزل قسوة واقع الإبادة في غزة.
تلتقي الحكايتان في «ظريف الطول»، لا لأن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، ولا لأن مكان الطفل الطبيعي هو ميدان الحرب، بل لأن صورة الفتى الذي تكبر همته ومسؤولياته قبل عمره تظل حاضرة في ذاكرة الشعوب.
وخلف صورة صهيب الشجاع في الميدان، تقف حكاية إنسانية موجعة، ففي نوفمبر 2023، دمر قصف إسرائيلي منزل عائلته في حي الدرج شرقي مدينة غزة، وفقد والدته وشقيقته وثلاثة من إخوته، إلى جانب عدد من أقاربه، خرج من بين الركام حاملا فقدا أكبر من سنوات عمره.
لكن هذه الحادثة ليست تفسيرا لظهوره في الميدان، ولا اختزالًا له في فكرة الانتقام؛ بل هي وجه آخر لحكاية طفل وجد نفسه في حرب قاسية شكلت شخصيته وواقعه قبل أوانه، لتظل صورته حاضرة.
وهنا تلتقي صورة أسامة، الذي بكى يوم رُدّ لصغر سنه، ثم أثبتت الأيام أن عمره لم يكن عائقًا أمام ما بلغه، مع صورة صهيب الذي ظهر في مواجهة عدوه حين اجتاح غزة؛ ولا أدل على ذلك من صورته التي ظهر فيها فتى مقداما، مقبلا غير مدبر.
فالأعمار تقاس بالسنين، لكن المواقف تصنع الأبطال، وتجعل من الصغار سنا أصحاب حياة أكبر من أعمارهم، حين تبقى صورهم وأسماؤهم حاضرة طويلا في ذاكرة شعوبهم.

