في مقال سابق، توقفت أمام صورة تختصر حكاية الإنسان حين يتمسك برسالته حتى النهاية.
بعد أن ألقت الولايات المتحدة قنبلة نووية على هيروشيما، تحولت المدينة إلى ركام. بحث أحد المعلمين عن مدرسته ومن نجا من طلابه، وأعاد ترتيب الصف، وجمع طلابه من جديد، وكأن شيئًا لم يستطع أن يهزم رغبته في التعليم.
كان الدرس وسط الخراب إعلانًا بأن الرسالة لم تنتهِ، كما قال لهم: «رسالتي لم تنتهِ بعد.. حتى القنبلة النووية لن توقفني».
*اليوم، تبدو الصورة كأنها تعبر من هيروشيما إلى غزة، لتعلن بدء عام دراسي جديد، بعد أعوام من الانقطاع الذي فرضته الحرب*.
لا يعود الطلاب إلى مدارسهم كما تركوها؛ فالكثير منها دمر أو تضرر، وبعضها لم يعد قائمًا أصلًا، يعودون إلى خيام وكرفانات ونقاط تعليمية، يحملون حقائب بسيطة، وبعضها مصنوع من أكياس الأرز، ويمضون إلى دروسهم بإصرار.
نحو 541 ألف طالب وطالبة يبدؤون عامًا دراسيًا جديدًا عبر مئات النقاط التعليمية والمدارس المؤقتة، لكن خلف هذه الصورة، مقاعد فارغة لن يجلس عليها أحد، وحقائب لن تُفتح، وأسماء لن تنادى.
خلف كل مقعد فارغ طفل كان يحلم بأن يكبر، ومعلم كان يهيئ لهم الدرس، لكنهما مضيا في رحلة أخرى قبل أن يكتمل الحلم.
أكثر من 20 ألف طالب غيبتهم الحرب، و770 معلمًا لن يقرعوا جرس المدرسة. أرقام ثقيلة، لكنها لا تختصر الحكاية؛ فخلف كل رقم وجه، وخلف كل اسم حلم، وخلف كل مقعد فارغ حياة انتهت.
وعلى الرغم من ذلك، يبدأ الدرس. يحمل الطفل حقيبته ويمضي إلى خيمة بدل المدرسة، وهذا لا يعني أن الحرب انتصرت عليه، يجلس على مقعد مؤقت، أو على أرض خشنة، تحت سقف من القماش أو في العراء، وهذا لا يعني أن التعليم فقد قيمته، ويقف المعلم أمام طلابه في مكان لا يشبه المدرسة، لكن المدرسة لم تغب.
فالمدرسة ليست جدرانًا فقط، والتعليم لا يفقد قيمته حين يتغير المكان، المدرسة معلم يصر على أن يشرح، وطفل يصر على أن يتعلم، ومستقبل يفتح ذراعيه، وحلم صغير يرفض أن يموت.
*في غزة اليوم، تُرتب الكراسي من جديد، وتُكتب الكلمات على السبورات، وتُستعاد أصوات الأطفال بعد صمت طويل، وهم يرددون: «موطني»، في محاولة لاستعادة شيء من حياتهم التي سرقتها الحرب*.
هؤلاء الأطفال الذين عرفوا طوابير الماء والخبز، ومرارة النزوح، يعودون اليوم إلى المدرسة؛ إلى مكانهم الطبيعي، إلى الكتاب، وإلى المقعد بدل طوابير الانتظار.
إنها اللحظة ذاتها التي رأيناها في تلك الصورة القديمة؛ حين نهض المعلم في هيروشيما من بين الركام، وقال إن مهمته لم تنتهِ.
لكن غزة تضيف إلى العبارة معنى آخر: أن الحرب قد تغيّب معلمًا، لكنها لا تمنع تلميذه من حمل رسالته، وقد تسقط سقف المدرسة، لكنها لن تسقط حلمًا في حقيبة طفل عانى حربًا قاسية، ثم نهض من جديد.
لذلك، *حين نرى أطفال غزة يمضون اليوم إلى مدارسهم المؤقتة، وفي أعينهم شيء من الفرح، لا نرى مجرد بداية عام دراسي، إنما نرى رسالة لم تنتهِ بعد*.
وحتى لو كانت غزة قد واجهت من القنابل ما يفوق أضعاف ما أُسقط على هيروشيما، فلن تكون القنبلة الأخيرة هي التي تكتب نهاية الحلم، ولن توقفهم عن التعلم.

