فلسطين أون لاين

في الذَّكرى الأولى للعملية الفاشلة مسيرةُ شعبنا نحو الحرية مُستمرة

أكتبُ هذا المقال بعد مضي عام بالتمام والكمال على اليوم الذي نجَّانا الله -عز وجل- فيه من قوم لا عهد لهم ولا ميثاق، ديدنهم الغدر، وهي صفة متجذّرة فيهم، سواء معنا أو مع غيرنا.

​في مثل هذا اليوم، تلقينا في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" -عبر الإخوة في قطر- عرضًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليتم التفاوض حوله لإنهاء حرب الإبادة الجماعية على غزة، وقد مُنحنا 48 ساعة للرد عليه. وعلى إثر ذلك، اجتمع الوفد المفاوض مع بعض المستشارين لدراسة الورقة والتباحث فيها، وكانت أجواء اللقاء إيجابية لصالح قبول العرض مع وجود بعض الأسئلة والاستفسارات، خاصة حول الضمانات.

​إلا أنه، وفي الوقت الذي كنا نسعى فيه مع الجميع لوقف هذه الحرب الهمجية وتحقيق السلام، كان فريقٌ آخر يتبنَّى أيديولوجية ظلامية سوداء خبيثة، لا يستطيع العيش إلا في بحار الدم ومفارز الدمار، يحيك حبائل الشر لإفساد هذه الفرصة التاريخية وإطفاء بارقة الأمل لدى ملايين البشر لوقف شلال الدم؛ فقرّر اغتيال فريق التفاوض الفلسطيني في ساعة الاجتماع، وفي قلب عاصمة دولة وسيطة وحليفة للولايات المتحدة.

​ورغم ذلك، وبسبب عماه الأيديولوجي، لم يدرك أن قرار الحياة والموت وأقدار البشر بيد الخالق وحده، ولم يتعلم طوال معركة ثلاث سنوات من البطولة والفداء والأداء الاستثنائيّ للمقاومة أنّ الآخر يمكن أن يكون أذكى منه ويتقدم عليه بخطوة، فيحبط أعماله الشريرة.

​والحقيقة أنَّه لا وجه للمقارنة أبدًا بين قدرات العدو المادية وما نمتلكه، إلا أننا -وبعد توكلنا على الله، واستنادنا إلى احتضان شعبنا لمشروع المقاومة مهما عظمت التضحيات- نبذل كل ما بوسعنا من جهد ونأخذ كل الاحتياطات اللازمة في مواجهة هذا العدو ومخططاته الشيطانية، وهذا ما فعلناه في ذلك اللقاء فعلاً؛ فحسب تقديراتنا، أدركنا في حينها أن العدو لا يريد إنهاء الحرب، وأن نتنياهو يعتبر هذه الحرب معركته الشخصية للبقاء.

​كان تقديرنا أنَّ العدو قد يرتكب أي حماقة في سبيل ذلك، بما فيه استهداف قيادة الحركة، وبالأخص وفدها المفاوض برئاسة الأخ المجاهد أبي أسامة الحية -حفظه الله-.

​وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد أقدم هذا العدو الجبان على ارتكاب حماقته الكبرى منتهكاً كافة القيم والأعراف الإنسانية، إلا أنه بفضل الله وقع في شر أعماله وفشل فشلاً ذريعاً، ونجا جميع أعضاء الوفد ولم يصب أحد منهم بأذى، ولأنّ الله أراد أن يعزز فشلهم وحماقتهم، سارع قادة العدو للظهور في الإعلام والتباهي بوقاحة وإعلان مسؤوليتهم عن هذه الجريمة النكراء.

​نجا الوفد واستشهد عدد من الإخوة الإداريين والمرافقين، وفي مقدمتهم وأعزهم على قلبي مرافقي الشخصي الأخ عبد الله عبد الواحد، الذي رافقني لأكثر من 15 عاماً، وكنت أعتبره أحد أبنائي ومن أفراد عائلتي الكبيرة، رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته.

​فشلت العملية، لكنَّها كانت نقطة فارقة في مسار المعركة؛ حيث أظهرت بشكل واضح أن طرفًا في المعركة ليس له هدفٌ إلا القتل والتدمير والتجويع والتهجير، وغير معني بأي استقرار أو سلام، ويضرب بعرض الحائط كافة القيم والقوانين الناظمة للعلاقة بين البشر.

​ورغم أن الطرف الأمريكي -وبشكل لا لبس فيه- كان متواطئًا في الجريمة، إلا أنه بعد هذا الفشل وما تبعه من غضب دولي بدأ بالبحث عن مخرج للأزمة، فكانت الخطة التي اقترحها الرئيس ترامب وتعاملت معها حركة حماس بإيجابية، وأدت في نهاية المطاف إلى وقف الحرب وتوقيع اتفاق شرم الشيخ.

​نعم، فشلت العملية، وتوصَّلنا لاتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب، والتزمت الحركة بكل ما فيه، وصبرت على كل الاستفزازات والانتهاكات من طرف العدو، وتعاملت بمسؤولية وطنية عالية لإنقاذ شعبنا من مخططات الحكومة الصهيونية الفاشية، ورغم كل ذلك لم يتراجع العدو عن موقفه ولا مخططاته الخبيثة، وما زال يصر على استكمال جريمة الإبادة الجماعية ومشروع التهجير، وإن كان بصورة أقل وحشية بعد الاتفاق.

​حتى هذه اللحظة، فشل مجلس السلام -الممثل للإرادة الدولية- في الضغط على مجرم الحرب نتنياهو وحكومته لقبول وتنفيذ الاتفاقات الموقعة، بل سمحوا له بمواصلة نشر الموت والدمار والجوع في كل مكان.

​لقد أثبتت هذه المُقاربة فشلها على مدار عشرات السنين، بل إنها عمَّقت دائرة العنف والفوضى وغياب الأمل وانتشار الإحباط والتطرف، ويجب العدول عنها؛ فكما قال أينشتاين: "الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتتوقع نتائج مختلفة".

​والحقيقة أنه لا يمكن المراهنة على هزيمة الإرادة الفلسطينية، ولا على نفاد صبر شعبنا الفلسطيني، الذي ما زال يفاجئ الجميع بإبداعاته والتصرف خارج الصندوق.

​شعبنا الفلسطيني شعب محب للحياة، وإذا لم تكن حياةً كريمة، فإنه وفي سبيل ذلك يحسن صناعة الموت النبيل، يحب الخير للجميع ويتطلع إلى اللحظة التي يتمكن فيها من المساهمة في صناعة حضارة بشرية تقوم على التعاون على البر والتقوى والخير لكل الناس دون تمييز.

​رسالتنا للعدو في الذكرى الأولى للعملية الفاشلة: لا تبع نفسك وشعبك الوهم، وكفّ عن ضرب قرنيك -أيها الوعل- في الجبال الشامخة؛ فإنهاء حياتنا كأفراد، مهما كان موقعنا وتأثيرنا، لن يغير المسار نحو الحرية والاستقلال، وشعبنا يمتلك كل المقدرات والوقت لإنجاز الهدف الأسمى وتحقيق تطلعاته الوطنية. ونؤكد لك، مما خبرنا عن تجربة شعبنا وتجارب باقي الشعوب، بأن المسيرة مستمرة والنهايات محتومة... نصرٌ وحرية، بمشيئة المولى عز وجل.

​وختامًا، رسالتنا لليهود داخل فلسطين المحتلة وخارجها: إن كنتم ترغبون بالعيش في سلام، وقبل فوات الأوان، فالطريق واضحة والمسارات محددة: "أعطوا شعبنا كافة حقوقه المشروعة، التي كفلها لنا التاريخ وضمنتها لنا القوانين والقرارات الدولية، ولا تسمحوا لهذه العصابة من المرضى النفسيين والمختلين عقلياً أن يحددوا مصيركم ويرسموا معالم مستقبلكم وأن يجروكم إلى مربعات الصدام، ليس مع شعبنا فقط، بل مع كل شعوب العالم الحر".

​سبقَنا على هذا الطريق قادةٌ عظام من أمثال القسَّام والحسيني والياسين وأبي عمار والشقاقي والرنتيسي والسنوار والضيف وأبي جهاد وأبي علي مصطفى وغيرهم كثيرون، ولم يفت ذلك في عضد شعبنا أو يضعف عزيمته؛ فشعبٌ معادلته إحدى الحسنيين: النَّصر أو الشّهادة... شعبٌ لا يُهزم.