بعد أكثر من 73 ألف شهيد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وعشرات آلاف الجرحى، ومدن سُوّيت أحياء واسعة منها بالأرض، ونزوح متكرر، وجوع وحصار امتد لأشهر طويلة، يؤكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الفلسطينيين قدموا ما عليهم من التزامات، في حين لم تنفذ "إسرائيل" ما هو مطلوب منها، وأن على الولايات المتحدة أن تضغط عليها، وإلا فقد يضطر الوسطاء، تركيا ومصر وقطر، إلى اتخاذ خطوات أكثر حزمًا.
هذا الكلام مهم، وربما هو من أوضح ما صدر عن أحد الوسطاء منذ بداية الحرب، لكنه جاء متأخرًا، بعد أن دفعت غزة ثمنًا باهظًا من الدم والدمار والجوع والنزوح.
منذ أشهر طويلة كان واضحًا أن المشكلة لم تكن في غياب المبادرات ولا في انعدام المرونة الفلسطينية، بل في غياب آلية حقيقية تُلزم إسرائيل بما توافق عليه. كانت المفاوضات تتحرك مرارًا بالطريقة نفسها: تقدم المقاومة موافقة أو مرونة في بند من البنود، فتُطرح شروط جديدة، أو تُؤجل المراحل، أو يُعاد فتح ما جرى التوافق عليه، في حين يستمر القصف والحصار على الأرض.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
فالوساطة التي لا تملك أدوات ضغط تتحول مع الوقت إلى إدارة للأزمة لا إلى حل لها، والوسيط الذي يكتفي بنقل الرسائل بين الأطراف، دون أن يضع ثمنًا سياسيًا حقيقيًا على من يرفض التنفيذ، يجد نفسه داخل دائرة تفاوضية طويلة تُستنزف فيها غزة في حين يستفيد الطرف المعرقل من الوقت.
من هنا تأتي أهمية تصريح فيدان.
فهو يشير إلى احتمال انتقال الوسطاء من مرحلة المناشدات والاتصالات إلى مرحلة الخطوات العملية، وهذا التحول، إن ترجم إلى إجراءات حقيقية، يمكن أن يغير مسار الأزمة.
أولى هذه الخطوات أن يتوقف الوسطاء عن التعامل مع الاتفاقات باعتبارها نصوصًا قابلة للتأجيل والمناورة، وأن يضعوا جدولًا زمنيًا واضحًا ومعلنًا لكل مرحلة، بحيث يعرف المجتمع الدولي من نفذ التزاماته ومن عطلها.
وثانيها أن يصدر موقف تركي–مصري–قطري موحد يحدد بوضوح الطرف المسؤول عن تعطيل الاتفاق، بدل الاكتفاء بعبارات دبلوماسية عامة تساوي في أحيان كثيرة بين من التزم ومن امتنع.
وثالثها ممارسة ضغط مباشر ومنظم على الولايات المتحدة، فهي الطرف الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي، ولا يمكن أن تقدم نفسها راعيًا للاتفاق ثم تترك "إسرائيل" حرة في تعطيله دون تبعات.
ورابعها استخدام ما لدى الدول الوسيطة من أوراق دبلوماسية وسياسية واقتصادية بصورة أكثر جدية، وقيادة تحرك أوسع عربيًا وإسلاميًا ودوليًا لرفع كلفة استمرار التعطيل، وصولًا إلى خطوات سياسية واضحة إذا استمرت إسرائيل في رفض التنفيذ.
أما سبب تأخر هذا التحول، فيعود إلى عدة عوامل؛ منها خشية الوسطاء من انهيار مسار التفاوض، واختلاف أدوات ومصالح كل من تركيا ومصر وقطر، إضافة إلى الرهان الطويل على أن واشنطن ستستخدم نفوذها في اللحظة المناسبة. لكن هذا الرهان طال أكثر مما ينبغي، وكانت كلفته تُدفع يوميًا من حياة الفلسطينيين.
فالوقت في غزة ليس رقمًا على ساعة المفاوضات. كل يوم إضافي يعني شهداء جددا، وجرحى، ومنازل مدمرة، وأسرًا نازحة، وأطفالًا يواجهون الجوع والخوف وفقدان الأمان.
لهذا فإن تصريحات فيدان تمثل تطورًا إيجابيًا، وقيمتها الحقيقية لن تكون في حدتها السياسية، وإنما في قدرتها على فتح مرحلة جديدة لا تبقى فيها الوساطة مجرد نقل للمواقف، بل تتحول إلى ضغط حقيقي يفرض احترام الاتفاقات ويمنع استخدامها غطاءً لاستمرار الحرب.
غزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى موقف سياسي قادر على تحويل الالتزامات المكتوبة إلى واقع، ووقف المماطلة، وإنهاء استنزاف شعب دفع من دمه وبيوته ومستقبله ما يكفي وأكثر.

