التجديد ليس عيبًا، ولا تراجعًا، ولا اعترافًا بالفشل، بل هو حالة صحية لا تستقيم حياة الأفراد والجماعات والمؤسسات والأحزاب من دونها.
الأجيال تتجدد، والأفكار تتطور، والأدوات تتغير، والظروف السياسية تتحول، وما كان صالحًا لمرحلة قد لا يكون صالحًا لمرحلة أخرى. ومن هنا فإن أخطر ما يصيب أي حركة أو حزب أو جماعة ليس أن تخطئ، فالخطأ وارد، وإنما أن ترفض مراجعة نفسها بعد أن تثبت التجربة أن بعض أفكارها أو أدواتها لم تعد تحقق الغاية التي وُجدت من أجلها.
المنغلق فكريًا هو من يعتقد أن كل ما آمن به قبل عشرين عامًا يجب أن يبقى كما هو بعد عشرين عامًا، مهما تغير العالم من حوله.
والعاجز عن فهم التاريخ هو من يكرر الأدوات نفسها، وينتظر نتائج مختلفة.
أما صاحب الفكر الحي، فإنه يقف عند نهاية كل مرحلة ويسأل نفسه بشجاعة: أين أصبنا؟ وأين أخطأنا؟ ما نقاط قوتنا؟ وما نقاط ضعفنا؟ هل ما نفعله اليوم يخدم شعبنا فعلًا؟ وهل الوسيلة التي استخدمناها بالأمس ما زالت صالحة للغد؟
فإن كانت الإجابة: لا، فالتغيير هنا يصبح واجبًا لا خيارًا.
كل شيء في العمل البشري قابل للمراجعة والتطوير: الأشخاص، والهياكل، والبرامج، والتحالفات، والخطاب السياسي، وأسلوب الإدارة، وأدوات التأثير. أما الثوابت الدينية والأخلاقية فلا علاقة لها بهذا الجمود الذي يحاول البعض الاحتماء خلفه؛ فنحن نتحدث عن اجتهاد بشري وسياسة وإدارة، لا عن تغيير الدين.
والمفارقة التي ينبغي أن يتوقف أمامها الفلسطينيون طويلًا أن العالم نفسه بدأ يراجع كثيرًا من مسلماته تجاه القضية الفلسطينية بعد حرب غزة.
حتى في الولايات المتحدة، التي ظلت بيئتها السياسية شديدة الحساسية تجاه المواقف المتعلقة بفلسطين، أظهرت انتخابات تمهيدية حديثة داخل الحزب الديمقراطي صعود مرشحين تقدميين على حساب شخصيات مدعومة من التيار التقليدي، في مؤشر على أن قطاعات من الناخبين لم تعد تتحرك وفق المعادلات السياسية القديمة نفسها.
ونرى كذلك دولًا وحكومات ومجتمعات تعيد النظر في خطابها ومواقفها تجاه ما يجري في غزة، فيما تتصاعد المواقف الدولية المنتقدة للعمليات الإسرائيلية وللأوضاع الإنسانية في القطاع.
وهنا تصبح المفارقة مؤلمة:
كيف يتغير العالم في نظرته إلى فلسطين، بينما يصر بعض الفلسطينيين على ألا يغيروا شيئًا في طريقة إدارتهم للقضية الفلسطينية؟
كيف نطلب من الآخرين مراجعة مواقفهم، ونحن نخشى مراجعة مواقفنا؟
كيف نطالب العالم بأن يفهم الواقع الجديد، في حين لا تزال بعض القيادات والعقليات تتعامل بأدوات وخطاب ومفاهيم صنعت لواقع مضى؟
إن التجديد الذي نحتاجه لا يعني التخلي عن فلسطين ولا عن حقوق شعبها، بل العكس تمامًا؛ نحن نغيّر الوسيلة حتى نحفظ الغاية، ونطوّر الأدوات حتى نحمي الثوابت، ونراجع الأشخاص والسياسات حتى تبقى القضية أكبر من الجميع.
والتجديد يجب ألا يقف عند الأحزاب وحدها، بل يشمل المؤسسات والقيادات والنخب والخطاب الإعلامي وطرق اتخاذ القرار وآليات اختيار المسؤولين.
نحتاج إلى جيل سياسي يستطيع أن يقول: أخطأنا هنا، ونجحنا هنا، وهذه التجربة لم تعد صالحة، وهذا الشخص أدى دوره، وهذه المؤسسة تحتاج إعادة بناء.
فلا أحد أكبر من المراجعة.
ولا حزب أكبر من الوطن.
ولا قيادة أكبر من الشعب.
وأخطر ما يمكن أن يصيب القضية الفلسطينية بعد كل ما جرى أن يتجدد العالم كله في فهمه للقضية، في حين يبقى بعض أبنائها أسرى الماضي.
ومن يرفض أن يسمع شعبه، أو يرى واقعه، أو يراجع تجربته رغم كل التحولات، لا يصبح حارسًا للثوابت كما يتوهم، بل قد يتحول تدريجيًا إلى عبء على الشعب والقضية التي يقول إنه يدافع عنها.
فالتجديد ليس خيانة للماضي؛ بل وفاء للمستقبل.
والقضية التي لا تجدد أدواتها وقياداتها وأفكارها ستجد يومًا أن العالم تجاوزها، بينما ما زال أصحابها يتجادلون حول الوسائل التي تجاوزها الزمن.
فلسطين ثابتة… أما وسائل خدمتها فليست مقدسة.

