﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41].
قانون النفير
غزة ليست اليوم مكانًا تقع فيه المحنة فحسب؛ إنها ميدانٌ تتجلى فيه السنن، ومدرسة تختبر معنى الإيمان والمسؤولية والنفير. فمن بين الركام والخيام، ومن قلب الفقد والجوع والحصار، يرتفع النداء القرآني كأنه يخاطب هذه اللحظة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41].
لقد نفرت غزة قبل أن تطلب من أحد أن ينفر لها؛ نفر أهلها لحماية الحياة وسط الموت، ولإسناد بعضهم بعضًا، ولانتشال الجريح، وإطعام الجائع، وتعليم الطفل في الخيمة، وإعادة فتح المسجد والمستشفى والسوق من بين الركام. وهكذا يصبح النفير في ملحمة غزة انتقالًا من انتظار النجاة إلى صناعة أسبابها، ومن العجز إلى استنفاد المستطاع.
وفي غزة نفهم أن النفير ليس صورة واحدة؛ فلكل إنسان ثغر، ولكل قدرة ميدان. يقول تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95]. في ملحمة غزة رأينا الطبيب ينفر إلى جريح، والمسعف إلى نداء، والمعلم إلى طفل، والإعلامي إلى الحقيقة، وصاحب المال إلى المنكوب، والعالم إلى الكلمة، والأم إلى تثبيت بيتها وأطفالها. ليست القضية أن يكون الجميع في الثغر نفسه، بل ألا يبقى ثغر يستطيع الإنسان خدمته ثم يتركه.
وتعلمنا غزة كذلك أن النفير لا يعني أن يفعل الجميع الشيء نفسه؛ فالقرآن يؤسس لتكامل الأدوار: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...﴾ [التوبة: 122]. وهذه غزة تقدم نموذجها الحي: مجتمعٌ تحت أقسى الظروف يحاول أن يبقي الطبيب طبيبًا، والمعلم معلمًا، والعالم عالمًا، والمصلح مصلحًا، والعامل عاملًا. فالصمود ليس وظيفة فرد؛ الصمود منظومة.
ومن غزة نتعلم أيضًا أن النفير ليس حماسة عابرة، بل إعداد وتنظيم وتراكم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. وما أحوج غزة إلى تحويل طاقات الإسناد من ردود أفعال موسمية إلى مؤسسات وخطط؛ للإغاثة والإيواء والصحة والتعليم والإعمار وحماية النسيج الاجتماعي. فالطاقة المبعثرة قد تنطفئ، أما الطاقة المنظمة فتبني قدرة على الصمود، وصدق الله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
وحتى في عمق الجرح، تعلمنا غزة أن الأخلاق جزء من القوة؛ فلا ينبغي أن يصنع الظلم فينا ظلمًا آخر، ولا أن يطفئ الألم ميزان العدل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فملحمة غزة ليست فقط اختبارًا للقدرة على الاحتمال، بل اختبار للقيم حين تصبح المحافظة عليها أشد صعوبة.
لكن أخطر امتحانات غزة قد يكون طول المحنة؛ لأن المأساة حين تطول تهدد بأن تتحول في وعي البعيدين إلى مشهد مألوف: شهيد آخر، خيمة أخرى، طفل جائع آخر، بيت آخر ينهار. وهنا يزلزل القرآن الضمير: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38]. فالمشكلة ليست فقط أن تتوقف الأقدام؛ بل أن يتوقف القلب عن الإحساس لأن المأساة طالت.
غزة صبرت... ولكن صبر غزة لا ينبغي أن يصبح ذريعة لقعود الآخرين.
غزة حملت فوق طاقتها... فلا يجوز أن تتحول قدرتها المدهشة على الاحتمال إلى مبرر لتركها وحدها.
غزة فعلت ما استطاعت... ويبقى السؤال: ماذا فعلت الأمة بما تستطيع؟
ومن هنا يتسع قانون النفير من غزة إلى الأمة: نفيرٌ للإغاثة، ونفيرٌ للطب، ونفيرٌ للتعليم، ونفيرٌ للإعمار، ونفيرٌ للإعلام والحقيقة، ونفيرٌ للقانون والحقوق، ونفيرٌ للدبلوماسية، ونفيرٌ لحماية المجتمع والوعي والذاكرة والأجيال.
فغزة لا تحتاج دموع أمة بقدر ما تحتاج طاقاتها، ولا تحتاج إعجابًا بصبرها بقدر ما تحتاج من يحوّل هذا الإعجاب إلى مسؤولية.
وبعد كل هذا الصبر والفقد والركام، يجيء السؤال:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].
بلى... آن الأوان.
آن الأوان أن تصبح ملحمة صبر غزة ملحمة نفير أمة؛ من الفرجة إلى المسؤولية، ومن التعاطف إلى الفعل، ومن المبادرة العابرة إلى المشروع، ومن الجهد المتناثر إلى الاستنفار المنظم.
لقد أجابت غزة عن سؤالها بالصبر والثبات... وبقي أن تجيب الأمة عن سؤالها: أين ثغركم من غزة، وبماذا نفرتم؟

