مع أول خيط من ضوء الصباح، كان عيسى أبو عيسى (13 عامًا) يشدّ أزرار قميصه، ويحمل قفازين بالييْن ومطرقة ثقيلة. لم يكن يستعد للذهاب إلى مدرسته كما يفترض أن يفعل في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد، ولم يحمل حقيبته وأقلامه ودفاتره، بل كان يستعد لبدء يوم عمل شاق بين الركام.
وبدأ أكثر من 500 ألف طالب في قطاع غزة، أمس، العام الدراسي الجديد 2026-2027، وسط نقص كبير في المدارس والقاعات والمقاعد.
حمل عيسى المطرقة المعدنية عندما غادر خيمة الإيواء البالية التي تؤوي والدته وشقيقيه في مخيم أرض الريس بحي الصبرة جنوبي مدينة غزة، ووسط أعمدة الخرسان المائلة وأكوام الإسمنت وقضبان الحديد الصدئة، بدأ عيسى عامه الدراسي الجديد، الصف السابع، بعيدًا عن مقاعد الدراسة.
أمسك بالمطرقة وانحنى قليلاً وبدأ يهشّم عامود خرساني، ومع كل ضربة يسددها، كان الغبار يتصاعد وتتطاير معه حجارة صغيرة ارتطمت بعنف بوجهه وجسده.
"كنت أتمنى أن أنتظم بالذهاب إلى المدرسة مع بدء العام الدراسي، لكن لا خيار آخر أمامي، فعائلتي بحاجة ماسة لهذا العمل"، قال عيسى لصحيفة "فلسطين" وقد اكتست ملابسة القديمة باللون الرمادي بعدما التصق بها الغبار.
يبدو الطفل على الرغم من صغر سنه، أكبر من عمره بكثير، إذ دفعته ظروف عائلته ورحيل والده جميل أبو عيسى إثر جلطة دماغية عام 2016، إلى التخلي عن أحلامه بمستقبل مزدهر، في حين أجبرته الحرب على امتهان العمل الشاق مبكرًا.
وكان عيسى ووالدته سناء (38 عامًا)، وشقيقه محمد (11 عامًا)، وشقيقهما حورية (14 عامًا)، لجؤوا بعد أن ضاقت بهم السبل، إلى العيش في مخيم إيواء يفتقد لأدنى مقومات الحياة الآدمية، بعد أن دمر جيش الاحتلال منزل العائلة في حي الزيتون، جنوبي مدينة غزة.
وعندما يتوجه عيسى إلى عمله صباحًا، تقف والدته عند باب الخيمة، تنظر إليه بعين دامعة، وتغرق في صمتها بينما تقف عاجزة عن إنهاء معاناته.
وقالت لـ"فلسطين": "لا أقدر على فعل شيء، فأرنا أرعى أطفالي الأيتام، ولا يقف أحد معنا. كنت أتمنى أن أراه أنجح الطلبة، لكن إذا لم يواصل عيسى عمله، فلن نجد ما نأكله".
نظرت الأم إلى طفلها، وقالت: "ما يحصل عليه عيسى بعد ساعات طويلة من العمل الشاق لا يتعدى 15 شيكلاً (5 دولارات تقريبًا)، وبالكاد يكفي هذا المبلغ لسد رمقنا لوجبة واحدة، لكن لا خيار آخر أمامنا".
وبينما يعمل الطفل نهارًا لإعالة أسرته، يحرص في أوقات الفراغ على الحضور إلى نقطة تعليمية داخل مخيم النزوح الذي يؤويه وعائلته، محاولاً استعادة شيء من حياته الطبيعية؛ يجلس مع الأطفال، يفتح كتبه، ويتابع دروسه، وكأنه يتمسك بخيط رفيع يربطه بمستقبله.
المأساة التي يعشها عيسى لا تقف عنده، إذ يرافقه في عمله الشاق صديقه الطفل كريم شلدان (14 عامًا)، الذي كان يفترض أن يلتحق بدراسة الصف الثامن، لكنه بدأ عامه الدراسي بعيدًا مقاعد الدراسة أيضًا.
يتوجه الطالبان معًا للعمل في تهشيم الكتل الخرسانية وتنظيف شقق سكنية نهش القصف الإسرائيلي أجزاءً واسعة منها، ويريد أصحابها استصلاح ما تبقى منها للعيش فيها.
يقول كريم: إن "ظروف عائلتي (والدته وشقيقه) أصبحت مأساوية بسبب الحرب، فقدنا منزلنا وكل شيء جميل في حياتنا. اليوم أعمل في تكسير الركام وإزالته لأساعد في إعالتهما".
ولم تجد هذه العائلة مأوى آخر سوى خيمة مصنوعة من النايلون مثبتة بمخيم إيواء في جنوبي مدينة غزة، بعد أن دمر جيش الاحتلال منزلها في حي الزيتون أيضًا.
يضيف كريم وقد بدا حزينًا، "في أحيان كثيرة لا نجد ما نأكله، والتكايا الخيرية التي تقدم الطعام مجانًا لا توفره بشكل يومي، لذلك أجبرت على العمل مبكرًا".
وحين يسأله أحد عن أحلامه، لا يتحدث كريم طويلًا عن المال القليل الذي يكسبه، أو المبنى الذي يعمل على تنظيفه، بل يتحدث عن الدراسة وطموحه بأن يكمل تعليمه، وأن يعود يومًا إلى مقعد دراسي حقيقي، وأن يحمل حقيبة مدرسية بدلًا من المطرقة والمجرفة التي أصبحت ترافقه في كل صباح.
وفي حين يتوجه آلاف الطلبة إلى مقاعد الدراسة، يواصل الطالبان عيسى وكريم، عملهما بين الركام وغبار الحرب في بيئة قاسية تفتقد لمقاعد الدراسة والقرطاسية، وتزخر بالأسقف المنهارة والأعمدة الخرسانية التي تبدو كأضلاع متكسرة.
ولم تسلم المدارس في غزة من الإبادة الإسرائيلية، إذ تعمد جيش الاحتلال استهدافها وقصفها وإلحاق أضرار بالغة بعدد كبير منها، في حين دمر بالكامل المدارس الواقعة خلف "الخط الأصفر"، الذي يسيطر الجيش بواسطته على نحو 70 بالمائة من المساحة الإجمالية للقطاع الساحلي البالغة 365 كيلومترًا مربعًا.

