اتجه المغرب، في تجاوز سياسي جديد لاقى رفضًا فلسطينيًا، إلى توسيع تطبيعه مع الاحتلال الإسرائيلي لينتقل من نطاق ما تسمى "مكاتب الاتصال" إلى رفع مستوى العلاقات والتمثيل وافتتاح سفارات وتبادل سفراء بين الرباط و (تل أبيب)، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تتجاوز الخطوط الحمراء.
والأربعاء الماضي، عُقدت في مدينة نيويورك قمة مصغّرة حضرها وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر، ومندوب أمريكا في الأمم المتحدة مايك والتز، تمخض عنها لاحقًا إصدار (تل أبيب) بيانًا يؤكد رفع مستوى التطبيع مع الرباط.
وكان المغرب قد دخل في قطار التطبيع مع (إسرائيل) في ديسمبر/ كانون الأول 2020، بوساطة أمريكية. ولم يكن وحده، إذ انضمت الإمارات، والبحرين، وذلك بالرغم من التنكر الإسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
ويتزامن التطور السياسي هذا مع مواصلة جيش الاحتلال حرب الإبادة التي اندلعت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولم تتوقف بموجب اتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
التطبيع.. تجاوز خطير
وقال الكاتب والمحلل السياسي رياض العيلة: إن "العلاقات بين المغرب والكيان الإسرائيلي تطورت بشكل علني منذ نحو ثماني سنوات، بالتزامن مع المرحلة الأولى من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي إطار ما عُرف باتفاقيات (أبراهام)".
وأوضح العيلة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن هذه الاتفاقيات شملت دولًا عربية عدة، مشيرًا إلى أن المرحلة الثانية والحالية من حكم ترامب شهدت محاولات لتطوير هذه العلاقات، التي قال: إنها ظلت في حالة نمو متكامل بين المغرب و(إسرائيل) منذ ذلك الوقت.
وأضاف أن تطوير العلاقات مع الاحتلال ورفع مستواها، مع استمرار الحرب التي تشنها (إسرائيل) على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، أمر "مدان ومرفوض".
وتابع العيلة، إن المغرب، من وجهة نظره، لم يتجاوز "خطًا أحمر" واحدًا، وإنما تجاوز الخطوط كلها، مؤكدًا أن الحفاظ على القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني يتطلب مواقف أكثر وضوحًا، ولا سيما مع استمرار الحرب وتكبد الشعب الفلسطيني خسائر فادحة في غزة والضفة الغربية.
ورأى العيلة أن المغرب اتخذ موقفًا خطأً تجاه القضية الفلسطينية، داعيًا الرباط إلى إعادة النظر في هذا الموقف، وإلا فإن موقفها، بحسب تقديره، لن يختلف عن مواقف الدول التي تقف في مواجهة القضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة المحافظة على العلاقات الثنائية الفلسطينية المغربية، داعيًا إلى عدم الإضرار بهذه العلاقات أو التعرض للحكومة المغربية بطريقة تؤدي إلى مزيد من التوتر، مع التأكيد على ضرورة أن تعيد المغرب النظر في موقفها من القضية الفلسطينية.
وأضاف أن الأمر لا يتعلق فقط بتجاوز الخطوط الحمراء، وإنما بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه، فضلًا عن حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم التي هجروا منها قسرًا إبّان نكبة 1948.
ورأى العيلة أن المغرب كان قد تجاوز الخطوط الحمراء منذ سنوات، ولا سيما مع توقيع اتفاقيات أدت إلى تطور العلاقات المغربية الإسرائيلية، إلى جانب العلاقات الممتدة بين المغرب والجالية اليهودية فيه.
وأكد أن الموقف المغربي الأخير، ولا سيما خلال المرحلة الراهنة، "غير سليم" تجاه القضية الفلسطينية وحق العودة، مشددًا على أن فلسطين باقية والشعب الفلسطيني مستمر، بالرغم مما وصفه بتراجع المواقف العربية.
ويشمل الاتفاق بين المغرب ودولة الاحتلال -إلى جانب تبادل السفراء وفتح سفارات- أيضًا استئناف الرحلات الجوية بينهما وبشكل مكثّف، وإبرام اتفاقية اقتصادية شاملة لتعزيز العلاقات وإزالة الازدواج الضريبي، لتشجيع انتقال الأفراد واستقرارهم.
المكان والزمان.. لماذا؟
من جهته، تساءل الكاتب الصحفي المغربي توفيق بوعشرين، عن سبب عقد القمة في الولايات المتحدة الأمريكية وبحضور ممثل ترامب في الأمم المتحدة، مجيبًا في مقالة مطولة نشرها على حسابه في موقع "فيسبوك": "لأن أميركا كانت هي الجسر الذي عبر منه الإسرائيلي إلى المغرب، بصفقة اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء مقابل تطبيع الرباط علاقتها مع (تل أبيب)".
أما عن سبب اختيار هذا التوقيت لعقد القمة وتوسيع التطبيع؛ يفسر بوعشرين الأسباب التي ترتبط بذلك، وأبرزها؛ أن "الإدارة الأمريكية تريد إظهار ترامب بأنه رسول السلام والمحبة والوئام، وأحد أكبر داعمي (إسرائيل) في العالم، وهو على أبواب انتخابات نصفية لتجديد مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ".
ومن أسباب اختيار هذا التوقيت تحديدًا، وفق ما يرى بوعشرين، يرتبط مباشرة بحكومة الاحتلال اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو، التي تستعد لدخول امتحان الانتخابات في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، مع تقدّم حظوظ أحزاب المعارضة على أحزاب الحكومة.
وأضاف: "يريد نتنياهو أن يصوّر لكتلة اليمين أنه الأقدر على جلب السلام والرخاء والاعتراف من الدول العربية والمغاربية دون أي تنازل في الموضوع الفلسطيني".
وبحسب بوعشرين، فإن "خارجية بوريطة" بالرغم من قبولها الاتفاق وتوسيع التطبيع مع (إسرائيل)، فإن "الشعب المغربي يرفض في معظمه تطبيع العلاقات مع كيان يرفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية ويداه مازالتا تقطر بدماء الفلسطينيين أطفالاً ونساءً وشيوخًا ورجالاً".
وكتب بوعشرين على جدار صفحته: "لا أستطيع إخفاء مرارة الخبر في الحلق، وكيف وصلنا إلى هنا؟ تبادل السفراء مع حكومة متهمة بالإبادة الجماعية في غزة، حكومة يرأسها نتنياهو ومعه قريناه بن غفير وسموتريتش اللذان يعتديان على فلسطينيي الضفة الغربية، ويقتلان أطفال غزة المحاصرة كل صباح".
وأضاف، "لا أدري ما هو شعور هذا السفير (ناصر بوريطة) سيئ الحظ، الذي سيقع عليه الاختيار لتمثيل الخارجية المغربية في (تل أبيب) أو في القدس".

