لم تكن غزة في الطوفان والمحرقة مجرد بقعةٍ جغرافية تصارع آلة الحرب العاتية، ولا شعباً يعزل في مواجهة حمم الإبادة؛ بل تجلّت محراباً عظيماً وميداناً مفتوحاً تتنزل فيه السنن الإلهية في أصفى وأقدس صورها. هناك، حيث تساقطت الأبراج، وغارت ملامح الديار، واستُبيح المأوى والأمان، انبعث من بين الركام والأشلاء قانونٌ إلهي يصدع في أرجاء الوجود: فَاثْبُتُوا.
ما أعظمك يا غزة وما أرفع مقامكِ في سفر المجد!
لقد ظن الطغيان أن الألم جسرٌ نحو الانهيار، وأن التجويع والحصار مدخلٌ لرفع الرايات البيضاء، وأن فداحة الفقد كفيلة بسحق العزائم؛ فإذا بغزة تفاجئ التاريخ بوجهٍ استثنائي للإنسان حين يتصل برب السماء: تحوّل الألم إلى وقفة عز، وغدا الصبر نهج حياة، والاحتساب طاقة صمود أسطورية تصدعت دونها حسابات القوة المادية، لتثبت أن معركة الثبات لا تُقاس بما بقي في الأكف من حطام الدنيا، بل بما استقر في القلوب من يقين لا تطاله القذائف، وإرادة لا تخمدها النيران؛ فالانتصار على الخوف هو فجر كل انتصار.
ليس الثبات في منطق الوحي ركوناً خاملاً، ولا استسلاماً للواقع، ولا تغييباً للعقل في مواجهة المحن؛ إنه الانغراس في أرض الحق يوم تتهاوى الأقدام، والمضي في الدرب يوم تتكاثر المخاطر، وحفظ البوصلة والراية مشدودةً حين تقتلع العواصف أوتاد الخيام.
لهذا صدع الأمر القرآني بأوجز بيان وأعمق دلالة: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
أمرٌ يختصر ميثاقاً حضارياً كاملاً: لا تنكسروا أمام الرعب، ولا تتركوا الجراح تهزم المعنى، ولا تجعلوا وعورة المسير مبرراً للتنازل عن أمانة المبدأ. إن الثبات قرار ينبت أولاً في حنايا الروح: عقيدة متجذرة، وقلب مستمسك بالله، وعقل يستقرئ السنن، ونفوس تجتمع على التراحم والإسناد حين تدلهم الخطوب.
يعلمنا القرآن أن الثبات ليس ضرباً من المصادفة، بل شجرة تمتد جذورها في أسباب راسخة:
• الإيمان والعمل الصالح: عقيدة حية تتجسد في الميدان أفعالاً وتضحيات تحفظ التوازن الإنساني ساعة الزلزال.
• الذكر والبصيرة: ذكر الله الذي يملأ الروح بالسكينة حين تضطرب الأرض، ووعيٌ نافذ بطبيعة الصراع؛ فالمرء لا يثبت في طريق يجهل معالمه، ولا يستميت دون غاية يجهل قداستها.
• الصحبة الحية والخطاب الصادق: قيادة حكيمة ترعى الأمل دون خداع، وتخاطب الوعي دون إنكار لحجم الوجع، ومجتمع يتساند كالبنيان المرصوص لا يترك فيه القوي أخاه الضعيف لمقصلة الحاجة.
أثبتت الحاضنة الشعبية في غزة أن عظمة الشعوب لا ترتهن بما تملك من عتاد، بل بما تبثه في أحلك أوقات الشدة من تماسك وتكافل.
تحت خيام النزوح، وفي أزقة الخراب، وركام البيوت المستهدفة، تشكلت ملحمة إنسانية مبهرة:
• أم تلملم جراح أطفالها لتورثهم العزة قبل الخبز،
• وأب يسابق ركام الموت ليقتلع لأهله شربة ماء،
• وجار يقتسم آخر كسرة طعام مع جاره،
• ومعلم يغرس الحرف في عقول الصغار فوق أنقاض مدرسته.
فالحاضنة لا تصمد بالخطب البلاغية، بل بالشعور الحي بأن الإنسان ليس وحيداً في مواجهة الطوفان. إن توفير لقمة العيش، وإسناد الجريح، وتضميد جراح النازح، وحماية الأطفال من اليأس، ليست تفاصيل هامشية؛ بل هي خط الدفاع الأول الذي يحمي ظهور المرابطين ويمنح الصمود معناه.
ومن أسمى كرامات الثبات أن ينقلب الاضطراب الداخلي إلى سكينة ربانية.
ليست السكينة خلوّاً من الألم والدموع، فغزة تجرعت كؤوس الفقد حتى الثمالة؛ لكن السكينة هي ألا يدير الخوف قراراتك، وألا يمحو الفقد أملك، وألا تسلبك قسوة الحرب نبلك وإنسانيتك.
ومن هذه السكينة يشتعل العزم:
أن ترى الركام فتغرس تحته بذور الحياة، وأن تفقد مسكنك فتيقن أن الوطن أكبر من الحجارة، وأن ترتقي بك قوافل الشهداء فتحفظ سيرهم أمانة تنير درب التحرير. ثم يكتمل المشهد بالرضا والتسليم؛ تسليم الفارس الذي يستفرغ كل الأسباب في الميدان، ثم يفوض أمره لحكمة العليم الحكيم.
إن أخطر ما يهدد صمود المجتمعات في سنوات المحن ليس شح الدواء ولا حصار الغذاء، بل تصدع منظومة القيم وسقوط الأخلاق.
حين تطول أيام الحرب وتشتد المجاعة، يصبح الثبات الأخلاقي محك الاختبار الحقيقي:
• هل تُصان الدماء والأعراض والأموال؟
• هل تُحفظ حقوق الضعفاء واليتامى؟
• هل ينتصر المجتمع للحق ويئد الفوضى والتغول العائلي حين تضيق أدوات السلطة؟
إن الثبات الحق لا يقبل العبث بالسلم الأهلي، ولا يجعل الكارثة مسوغاً لظلم أو تفريط؛ فالمجتمع الذي يقهر عدواً غاشماً في الخارج، عليه أولاً أن ينتصر على أهوائه في الداخل وأن يحمي نقاء جبهته الداخلية.
تلك هي منظومة الثبات التي تصنع المعجزات:
{يقينٌ بالله} + {بصيرةٌ بالسنن} + {صبرٌ وتكافل} + {استقامةٌ أخلاقية} = {ثباتٌ أسطوري يكسر المستحيل}
الثبات ليس كلمة تُقال لمرة واحدة، بل فريضة متجددة مع كل مطلع شمس؛ تثبت اليوم، ثم تثبت غداً، وتعيد بناء ثباتك بعد غد؛ لأن المعارك الفاصلة لا تحسمها فورة العواطف، بل تروضها أنفاس الصابرين المستمسكين بالحق حتى الرمق الأخير.
فَاثْبُتُوا.. فجر الانتصار قادم
يا أهل غزة الأباة..
يا صناع الفجر من قلب الظلام: لقد كان ثباتكم طوال هذه المحرقة حراسةً لروح الأمة ومعناها، وتذكيراً بأن راية الحق لا تسقط ما دام في الصدور قلب ينبض.
يا كل من هدّه البلاء وأثقله المسير: لا يغرنك طول ليل الطغيان؛ فالنصر يبدأ حين تأبى أرواحنا أن تُهزم من الداخل:
• قد تتداعى الجدران.. ولكن لا تنكسر القيم.
• قد تضيق مساحات الأرض.. ولكن تتسع آفاق السماء.
• قد يشتد أوار الحرب.. ولكن لن ينطفئ نور اليقين.
اثبتوا على المبدأ،
اثبتوا على الإيمان،
اثبتوا على مكارم الأخلاق،
اثبتوا على التكافل وبناء الإنسان،
اثبتوا لتبقى كرامة الأمة شامخة لا تدنسها أوهام الهزيمة.
قد لا نختار ساعة الملحمة، ولا حجم التضحيات؛ لكننا اخترنا كيف نقف فيها شجعاناً كالجبال الشم. وفي غزة التي أرادوا لها الفناء، ستبقى الحكاية تُنقش على جدران الخيام، وفي مآقي الثكالى، وفي بطولات الرجال، أمراً ربانياً لا يلين:
فَاثْبُتُوا.

