لم تكن هيا أبو ستيتة تتخيل أن الطريق الذي بدأته بتفوق دراسي سينتهي بها إلى مواجهة أصعب امتحانات الحياة، فمنذ حصولها على معدل 99% في الثانوية العامة وتصدرها الفرع الأدبي في مديرية غرب غزة، كانت ترسم مستقبلها بهدوء، وتؤمن بأن الاجتهاد وحده قادر على فتح الأبواب المغلقة.
لكن الحرب قلبت كل شيء، فبدّلت مقاعد الدراسة بخيام النزوح، واستبدلت أحلام الاستقرار بفقدان الزوج، وأجبرتها على خوض معركة لم تكن ضمن خططها؛ معركة الصبر والبقاء.
اليوم، وبعد سنوات من الألم، تقف هيا على أعتاب التخرج من تخصص الوسائط المتعددة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وهي تحمل قصة تختصر معاناة آلاف الشابات الفلسطينيات اللواتي لم توقفهن الحرب عن التمسك بحقهن في التعليم والحياة.
تقول هيا، البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، إن التفوق كان جزءًا من شخصيتها منذ الصغر، وبعد نجاحها اللافت في الثانوية العامة، التحقت بالكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، واستمرت محافظة على تقدير الامتياز طوال سنوات الدراسة.
وتروي لصحيفة "فلسطين": "كنت طالبة متفوقة، وكنت أطمح لأن أنهي دراستي وأبدأ حياتي العملية سريعًا، كنت أعتقد أن أكبر التحديات سيكون الامتحانات والمشاريع الجامعية، لكن حرب الإبادة جاءت لتجعل كل شيء مختلفًا".
مع اندلاع الحرب، بدأت رحلة النزوح التي عاشها معظم أهالي قطاع غزة، وجدت هيا نفسها بعيدة عن جامعتها، وعن أي مقومات تساعدها على متابعة الدراسة، تقول:" تنقلنا من مكان إلى آخر، وكانت الكهرباء شبه معدومة، والإنترنت غير متوفر، كنت أحاول بكل الطرق أن أتابع محاضراتي وأسلم واجباتي، لكن الأمر كان بالغ الصعوبة".
وخلال فترة نزوحها القسري في دير البلح، لم تتوقف عن التفكير في دراستها، رغم الظروف الإنسانية القاسية التي أحاطت بها.
وتضيف: "بعد عودتنا الأولى إلى مدينة غزة خلال الهدنة، كنت أسكن في شمال مدينة غزة، ولم يكن هناك أي بنية تحتية للاتصالات، كنت أضطر إلى الذهاب إلى وسط المدينة فقط حتى أتمكن من الاتصال بالإنترنت وتحميل المحاضرات أو إرسال التكليفات".
ولم يكن الوصول إلى الشبكة هو التحدي الوحيد، فقد تزامنت الدراسة مع موجات المجاعة ونقص الغذاء، تستذكر تلك الأيام قائلة:" كنا نقدم الاختبارات في ظروف لا توصف؛ لا طعام كافيًا، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا إنترنت، لكنني كنت أقول لنفسي إن هذه المرحلة ستمر، ولا يجوز أن أخسر سنوات تعبي".
زواج انتهى برصاصة
وسط أجواء الحرب، حاولت هيا أن تتمسك بأي مساحة للحياة، خُطبت ثم تزوجت، وكانت تأمل أن تبدأ حياة جديدة رغم كل الظروف، لكن هذا الحلم لم يعش طويلًا، تقول بصوت يختلط بالحزن:" بعد فترة قصيرة من زواجنا، استشهد زوجي تامر أبو علبة، بعدما أصابته رصاصة مباشرة في القلب أطلقها قناص إسرائيلي".
وتوضح أن خبر استشهاده كان الصدمة الأكبر في حياتها، "شعرت أن الحياة توقفت تمامًا. لم أعد أرى أي معنى لأي شيء. كنت أبكي طوال الوقت، ولم أكن قادرة حتى على استيعاب ما حدث".
بعد استشهاد زوجها، دخلت هيا في حالة نفسية قاسية استمرت نحو تسعة أشهر، تقول: "ابتعدت عن كل شيء؛ عن الدراسة، وعن الناس، وعن الحياة نفسها، لم أكن أرغب في إكمال تعليمي، ولم أعد أمتلك أي دافع للاستمرار".
وتضيف أن والدتها وأفراد أسرتها رفضوا أن يتركوها تستسلم للحزن، "كانت أمي تردد دائمًا: كملي... وأنا معك، كانت تشجعني كل يوم، وتقول إن زوجي كان سيفرح لو رآني أكمل طريقي"، مؤكدةً أن هذا الدعم الأسري كان نقطة التحول التي أعادتها تدريجيًا إلى الحياة.
بعد أشهر طويلة من الحزن، اتخذت هيا قرارًا صعبًا بالعودة إلى جامعتها، تقول:" تبقى لي عام دراسي واحد فقط، فقلت لنفسي يجب أن أكمله، مهما كان الألم، ورغم ما مررت به، استطعت أن أحقق نتائج متميزة في عامي الأخير.
وتبتسم وهي تقول: "بفضل الله حصلت على أعلى العلامات، واستعدت ثقتي بنفسي، وعدت أشارك في الأنشطة والفعاليات الجامعية، وكأنني أبدأ حياتي من جديد"، مشيرةً إلى أن الكلية احتضنتها، وشجعتها على المشاركة في مختلف الأنشطة، وهو ما ساعدها على تجاوز جزء من آثار الصدمة".
مفارقة مؤلمة
تحمل نهاية شهر أغسطس الحالي بالنسبة لهيا معنيين متناقضين، ففي التاسع والعشرين من أغسطس 2025 استشهد زوجها، في حين سيكون التاسع والعشرون من أغسطس 2026 موعد مناقشة مشروع تخرجها، وتقول: "أشعر أن هذا التاريخ سيبقى محفورًا في حياتي، في العام الماضي فقدت شريك حياتي، وفي العام الحالي سأقف لأناقش مشروع تخرجي، سأدخل القاعة وأنا أحمل ذكراه معي".
وترى أن هذا الإنجاز ليس انتصارًا شخصيًا فقط، بل رسالة وفاء لزوجها الذي كانت تتمنى أن يكون حاضرًا في تلك اللحظة.
لم يقتصر تميز هيا على الدراسة، فقد رُشحت مؤخرًا لفرصة عمل مؤقتة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، ضمن برنامج ينفذه مركز العمل التطوعي، ويستهدف عددًا من زوجات الشهداء والطلبة المتفوقين، وتعمل حاليًا في قسم القبول والتسجيل، وهي تنظر إلى هذه الفرصة باعتبارها بداية جديدة لاستعادة حضورها في الحياة العملية، وتقول: "هذه الفرصة أعادت إليَّ الثقة، أشعر أنني قادرة على الإنتاج من جديد، وأن سنوات التعب لم تذهب سدى".
ورغم كل ما تجاوزته، ما تزال هيا تعيش تفاصيل الحرب اليومية، تقول: "قبل يومين فقط انقطع الإنترنت طوال اليوم، ولم تستطع زميلاتي الوصول إلي، الاتصالات في منطقتنا ما تزال تعاني بشكل كبير، وأحيانًا نشعر أننا معزولون عن العالم"، مؤكدة أن استمرار انقطاع خدمات الاتصال يزيد من صعوبة الدراسة والعمل، خصوصًا للطلبة الذين يعتمدون على الوسائل الإلكترونية.
ورغم أن التخرج بات قريبًا، فإن هيا لا تعتبره نهاية الطريق، وتؤكد أنها تطمح إلى مواصلة العمل، واكتساب الخبرات، وربما استكمال الدراسات العليا عندما تسمح الظروف، وتقول: "أريد أن أستمر في تطوير نفسي، وأعمل في مجالي، وأثبت أن الحرب لم تستطع أن تكسر أحلامنا".
وتضيف بابتسامة يختلط فيها الأمل بالألم: "قد يخسر الإنسان أشخاصًا يحبهم، وقد يخسر منزله وكل ما يملك، لكنه إذا تمسك بالأمل فلن يخسر نفسه، مؤكدةً أن التعليم يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن النجاح قد يصبح الطريقة الأجمل لتخليد ذكرى من رحلوا، هكذا تمضي هيا نحو مستقبلها، حاملة معها حلمًا لم تستطع الحرب أن تطفئه، ورسالة أمل لكل شاب وشابة يواجهون المحن بأن الإرادة قادرة، رغم كل شيء، على الانتصار.

