فلسطين أون لاين

الرؤية الأمريكية لغزة بين إعلان الحل وتهرب (إسرائيل).. "استنزاف مفتوح"

تحت وطأة العدوان المستمر وجرائم الحرب، أُطلقت ما سُميت "خطة ترامب" كقنبلة إعلامية هدفت إلى تلميع صورة فشل ذريع. حوّلت الآلة الإعلامية الغربية، بما فيها أبواق التطبيع، الخطة إلى سردية كبرى تتحدث عن "اليوم التالي" و"الإعمار"، في حين كان الواقع على الأرض يكتب سرديته الخاصة بالدم والدمار. لقد كانت الحرب الإعلامية جزءاً أصيلاً من المعركة، سعياً لكسب الرأي العام وخلق وهم بمسار "عقلاني" ينتظر غزة.

انكشف زيف هذه الضجة الإعلامية سريعاً عند أول احتكاك بالواقع. فما جرى على الأرض لم يكن سوى سلسلة من الهدن الهشة التي كان العدو ينقضها متى شاء، في حين استمرت معاناة المشهد الإنساني تحت حصار خانق حوّل دخول المساعدات إلى مسرحية "إغاثة مظهرية". كشفت المرحلة أن الحديث عن وقف إطلاق النار كان مجرد أكذوبة تكتيكية لشراء الوقت وإدارة الأزمة إعلامياً.

 فشل الانتقال إلى "اليوم التالي"

انطلاقاً من هذا الإخفاق المتعمد، حاولت الخطة الانتقال إلى مرحلة "اليوم التالي" عبر خطاب إعلامي مموه يرسم صورة مستقبلية لهيئة إشراف دولية وإدارة مدنية. لكن هذا الخطاب اصطدم بحقيقة أن مشروع المقاومة راسخ لا يتزعزع، ورفض شعبنا أي صيغة تُفرض عليه تحت عنوان "الفوضى الخلاقة" أو "إعادة هندسة المنطقة". باءت محاولات التطبيع الإداري للاحتلال بالفشل أمام إرادة الشعب الرافضة لصفقة القرن بمسمى جديد.

وهكذا، تبقى مرحلة الإعمار في إطار الخطة مجرد وعد إعلامي أجوف، حيث يُستخدم الأمل بإعادة البناء كأداة للابتزاز السياسي ضمن سياسة العقاب الجماعي. إنها محاولة لتحويل قضية تحرر إلى ملف خدماتي تحت الوصاية الدولية.

التحول الإستراتيجي الأمريكي

من الهيمنة الذكية إلى الصلبة

ها هي اللحظة الحديدية تتجلى من المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، لا كتحول تكتيكي عابر، بل كتجلٍّ إستراتيجي صارخ: الانتقال من هيمنة "ذكية" تتلفع أحياناً برداء الشرعية الدولية، إلى فرض الهيمنة الصلبة العارية، التي لا تترك للقانون الدولي إلا هامش الحضور الشكلي. تعامل واشنطن الإقليم وكأنه "ساحة أمنية مفتوحة" – مصطلح عسكري يجرد الأرض وشعوبها من تاريخها وإرادتها.

في قلب هذه الساحة،ثمة معادلة القوة المعوَّضة: فكلما تآكلت شرعية الدور الأمريكي، ازداد إصرار واشنطن على تعويض هذا الفقدان بكم أكبر من القوة الخام والضغط المكثف. وإسرائيل هنا ليست مجرد حليف، بل هي أداة التنفيذ المباشر والأكثر حدة لهذه الهيمنة الصلبة.

لقد تحولت من مفهوم "الردع المركب" إلى فلسفة "الردع بالقوة المباشرة"، مما يحولها عملياً إلى مصدر التهديد الإقليمي الرئيس.

واللافت في هذه المرحلة أنه لا توجد قطيعة استراتيجية لهذه الآلة الإسرائيلية المتسارعة،لأن الضغط الأمريكي المتصاعد على محيطها يخلق لها غطاءً ويدفع الثمن نيابة عنها. في الوقت ذاته، تشهد الساحة تصعيداً موازياً للضغوط على قوى المقاومة لا لتحقيق تفاهم، بل لإخضاعها. إنها معركة إرادات على حافة الهاوية. والإشارة هنا ليست لغزة وحدها بل تشمل لبنان وإيران وسوريا ضمن المعادلة الإقليمية، مما يطرح سؤالاً: هل ستكون 2026 عام التصعيد؟

 سقوط الأوهام

إسرائيل حاولت بإعلامها المزيف تحريف الحقائق وإخفاء الجوهر. لكن شعب فلسطين، الملتزم بقضيته والشاهد على الجرائم، سيبقى أميناً لكشف زيف هذه المخططات. لقد أثبتت الأيام أنه لا "حل" يُفرض من خلف البحار، ولا "غد" يُبنى على أنقاض الحقوق. الغد الوحيد المنتظر هو غد يكتبه أبناء غزة بأنفسهم، إن هذه الأرض لنا، وهذا الحق لنا، وهذا الغد لنا.

المصدر / فلسطين أون لاين