في أعماق التاريخ اليهودي تتردد أصداء تحذيرات قديمة تذكرنا بأن الدول لا تدوم إلا بقدر ما تحافظ على وحدتها الداخلية و عدالتها الخارجية اليوم في الضفة الغربية والقدس نرى مظاهر تصاعد التوتر الذي يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي الإسرائيلي نفسه إغلاق المسجد الأقصى لأيام متتالية خلال شهر رمضان 2026 وتصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين ليست مجرد حوادث معزولة بل تعبير عن سياسة ممنهجة تكشف عن أزمة عميقة هذه السياسات التي تستند إلى إيديولوجيا اليمين المتطرف تذكرنا بلعنة العقد الثامن التي تحذر من انهيار الدول اليهودية بعد ثمانين عاماً من تأسيسها وكما يقول بعض الكتاب الإسرائيليين المعارضين لسلوك اليمين فإن الاحتلال ليس مصيراً قدرياً بل خياراً يؤدي إلى الانهيار الذاتي.
دعونا نبدأ بالواقع الميداني في مارس 2026 أغلقت السلطات الإسرائيلية المسجد الأقصى لأكثر من أربعة أيام متتالية منعاً للمصلين الفلسطينيين من أداء صلواتهم خلال رمضان وذلك تحت ذريعة التوترات الأمنية الناتجة عن التصعيد مع إيران هذا الإغلاق الذي وصفته منظمات فلسطينية بأنه "جريمة دينية وإنسانية" لم يكن سابقة إذ سبقه إغلاق آخر في يونيو 2025 أثناء النزاع مع إيران واستمر لأيام مما يمثل أطول فترة إغلاق منذ 1967 ، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية فإن هذه القيود ليست أمنية بحتة بل جزء من محاولة لتغيير الوضع التاريخي في المسجد الأقصى حيث يمنع المسلمون من الوصول بينما تتصاعد الاقتحامات من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة هذا الإغلاق يأتي في سياق انهيار الاتفاق التاريخي الذي يعود إلى 1967 والذي يحدد أن الصلاة في الحرم الشريف محصورة بالمسلمين ،كما أفادت تقارير الغارديان إن مثل هذه الإجراءات لا تعزز الأمن بل تؤجج الغضب وتكشف عن سياسة تهدف إلى تهميش الحقوق الدينية الفلسطينية.
أما في الضفة الغربية فإن تصاعد اعتداءات المستوطنين يصل إلى مستويات غير مسبوقة وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا شهد عام 2025 أكثر من 1800 هجوم من قبل المستوطنين أدت إلى إصابة 1190 فلسطينياً وتهجير آلاف آخرين في يناير من هذا العام وحده تهجر نحو 700 فلسطيني بسبب العنف والمضايقات وهو أعلى معدل منذ أكتوبر 2023 ، هذه الهجمات تشمل :إحراق المنازل سرقة المواشي وإغلاق الطرق كما حدث في مناطق مثل رام الله ونابلس والخليل، تقارير الجيش الإسرائيلي نفسه تشير إلى زيادة بنسبة 27% في "الجرائم القومية" المتطرفة في 2025 مع ارتفاع الحوادث الخطيرة مثل إطلاق النار والحرق بنسبة 50% ، هذا العنف ليس عفويا بل مدعوماً من قبل بعض الجهات الرسمية حيث يقف الجيش غالباً متفرجاً أو مشاركاً كما وثقت منظمة بتسيلم ، إن هذه الاعتداءات تعكس سياسة توسع استيطاني تهدف إلى طرد الفلسطينيين مما يعمق الاحتلال ويبعد فرص السلام.
في مواجهة هذا الواقع يبرز صوت الكتاب الإسرائيليين المعارضين لسلوك اليمين الذين يرون في الاحتلال مصيراً كارثياً غيديون ليفي الكاتب في هآرتس يصف الاحتلال بأنه "نظام عنصري" يتعارض مع حقوق الإنسان قائلاً "الإسرائيليون لن يستيقظوا ذات صباح ويقولوا إن الاحتلال قاسٍ جداً و الأبارتايد غير قانوني دعونا ننهيه سيحدث ذلك فقط إذا دفعوا ثمناً للاحتلال" ، ليفي يؤكد أن الاحتلال ليس مصادفة بل خيار يحافظ عليه اليمين المتطرف ويحذر من أن المجتمع الإسرائيلي أصبح "عنيفاً و خطيراً خالياً من كل قيود" ، أما عاموس عوز الكاتب الراحل فقد انتقد المستوطنين بشدة قائلاً: "المستوطنون و داعموهم يقولون إن لنا حقاً في كل أرض إسرائيل لكنهم يخدعوننا الفرق بين الحق والمطالبة كبير" ، عوز يرى أن الاستيطان يعيق السلام ويحذر من أن عدم حل الدولتين سيؤدي إلى دولة واحدة تفقد هويتها اليهودية مضيفاً "سنضطر إلى تقسيم المنزل إلى شقتين لأنه لا بديل آخر" ، هذه الأصوات الإسرائيلية الشجاعة تكشف أن المشكلة ليست في الشعب بل في السياسات اليمينية التي تؤجج الصراع.
التركيز كبير على "لعنة العقد الثامن" التي أصبحت محور نقاش إسرائيلي داخلي إيهود باراك رئيس الوزراء السابق والجنرال الأكثر تكريماً يحذر منها صراحة "عبر التاريخ اليهودي لم يحكم اليهود أكثر من ثمانين عاماً إلا في مملكتي داود والحشمونيين وفي كليهما بدأ التفكك في العقد الثامن" ، باراك يخشى أن يصيب إسرائيل نفس المصير خاصة مع التصدعات الداخلية بين اليمين و اليسار الدينيين والعلمانيين مما قد يؤدي إلى حرب أهلية قبل الذكرى الثمانين لتأسيسها في 2028 ، كما يشارك يوسي بيلين مهندس اتفاقات أوسلو في هذا القلق محذراً من أن الاحتلال والتوسع الاستيطاني يعجلان بالانهيار الداخلي كما في التاريخ القديم هذه اللعنة ليست قدراً سماوياً بل نتيجة سياسات تؤدي إلى العزلة الدولية والانقسام الاجتماعي كما يرى محللون إسرائيليون مثل مناحيم راحات .
في الختام إن إغلاق الأقصى واعتداءات المستوطنين ليست سوى أعراض لأزمة أعمق الاحتلال الذي يأكل من جسد إسرائيل نفسها كما يحذر باراك وعوز وليفي فإن استمرار هذه السياسات سيحقق اللعنة التاريخية محولاً إسرائيل إلى دولة تفككت قبل أن تكمل عقدها الثامن السلام ليس خياراً بل ضرورة للبقاء وإلا فإن التاريخ سيكرر نفسه بقسوة.

