في بداية الحرب على غزة، خرج محمد الهنداوي (40 عامًا) من منزله الكائن في شارع العيون، وسط مدينة غزة، مع جيرانه ليتفقدوا أوضاع بعضهم، لحظات قصيرة من الاطمئنان تحولت إلى كارثة حين استهدف صاروخ إسرائيلي منزل أحد الجيران، فسقط من كان في المكان بين شهيد ومصاب.
أُصيب محمد بإصابة خطيرة في العمود الفقري، أفقدته الحركة تمامًا، وأصبح يعاني من شلل نصفي سفلي.
تقول زوجته، هبة الهنداوي، بصوت مبحوح لصحيفة "فلسطين": "نقلوا زوجي للمستشفى وهو بحالة حرجة جدًا.. كان بين الحياة والموت، إصابة بالعمود الفقري.. ما قدرت أشوفه ولا أوقف جنبه".
ولكن المستشفى الذي نُقل إليه، لم يكن مكانًا آمنًا، حيث كانت المستشفيات تُقتحم، ما في أمان، "حتى اللي بين الحياة والموت ما سلموا"، تضيف هبة.
بين الألم الجسدي للزوج، والقلق القاتل لعائلته، كان الوقت يتباطأ، والخوف يتعاظم, "ما كنت بعرف إذا رح يرجعلي زوجي حي.. أو إذا رح يقدر يوقف على رجليه يوم ما".
ورغم حالة المجهول التي تعيشها العائلة مضى محمد متنقلًا بين المستشفيات في غزة، إلى أن تم نقله إلى مستشفى ناصر الطبي في خان يونس، بينما عائلته كانت تعيش في خيمة مهترئة في البرد القارس، بلا فرشة، أو وسادة، أو طمأنينة.
ثم جاءت الفاجعة الثانية اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى، واعتقلوا كل من فيه حتى محمد، الذي أن يتحرك، ولم يرفئوا بوضعه.
وتتابع هبة حديثها: "ما قدموا له علاج، ولا اعتنوا فيه، كنت أقول لحالي: محمد مش رح يطلع حي.. مش بس من إصابته، من التعذيب اللي ما إلو رحمة".
وبعد ثلاثة أشهر من الاعتقال، خرج محمد بوضع صحي أسوء، "رجع لنا بتقرحات شديدة من الدرجة الثالثة، ونزيف خارجي، ووزنه نازل كتير، ودّمه ضعيف"، تقول هبة وهي تحبس دموعها.
وتوضح أن جسده الذي بالكاد نجا من الحرب، كاد يُقتل في السجن بالإهمال الطبي والتعذيب، دون تهمة حقيقية.
وبين ألم جسده الذي لا يستطيع الحركة وألم روحه الذي لا يفارق، يعاني محمد أكثر مما تحتمله الكلمات. فالشلل النصفي السفلي جعله محاصرًا في جسد لا يستجيب، ولكن الأسوأ كان الألم النفسي الذي يتصاعد مع كل لحظة بسبب الاصابة وثم الاعتقال وتأخر السفر للعلاج.
فقبل الحرب، كان محمد معيل أسرته المكونة من خمسة أفراد، يعمل نهارًا سائق سيارة أجرة، ومع حلول المساء كان يعمل كمنسق دي جي في صالة أفراح، يبذل كل جهده ليؤمن لأسرته كل ما تحتاجه.
وتضيف هبة: "كان دايمًا يحاول يفرحنا.. حتى لما يكون تعبان، يشتغل الليل والنهار عشاننا، واصبحنا نعيش على طعام التكية القريبة من الخيمة".
أما الرعاية الطبية فتشكل تحديًا كبيرًا، "فحتى توفير الشاش الطبي لتغيير الجروح والتقرحات اللي بتطلع له بسبب فترة الاعتقال بصعوبة، فلا أستطيع شرائها وبنغير الشاش كل 3 أيام بدل ما لازم يتغير كل يوم"، تقول هبة بصوت محمل بالإرهاق.
لكن اليوم، بعد الإصابة والاعتقال، أصبح محمد يحتاج إلى دعم أكبر من أي وقت مضى، وهو في مواجهة ألم لا يحتمل.
ورغم وقف إطلاق النار إلا أن محمد وعائلته لم يعودوا إلى غزة، فلم يعد لديهم بيت يأويهم بعد الدمار والاقتحامات، فاستقروا في خيمة صغيرة في مدينة دير البلح وسط ظروف قاسية.
ومع كل منخفض جوي، تتشبث هبة بأوتاد الخيمة بيديها المرتجفتين، تخاف أن تقتلع الرياح تلك الحماية الهشة التي لا تكاد تحميهم من برد الشتاء القارس، "الوضع صعب للغاية ولا تعرف كيف تنجو أنت وعائلتك دون أي ضرر أو غرق".
وفي ظل الحصار والحرب، ينتظر محمد على بوابة الأمل التي لم تُفتح بعد، ليستكملوا علاجهم، ويعودوا إلى حياة تستحق أن تُعاش، "نحن لا نطلب سوى فرصة للشفاء، ليعود إلى الحركة والحرية".

