في أحد مراكز الإيواء داخل معسكر جباليا شمال قطاع غزة، يجلس الشاب محسن عوض أبو عودة محاطًا بذكريات أيامٍ لم يمضِ عليها وقت طويل، لكنها بدّلت مسار حياته بالكامل. الشاب البالغ من العمر 22 عامًا، خريج التمريض الذي كان يستعد لبدء حياته المهنية في مداواة الجرحى والمرضى، وجد نفسه فجأة مريضًا على سرير العلاج بعد إصابة قاسية كادت أن تنهي حلمه قبل أن يبدأ.
قبل إصابته، كان محسن يشارك متطوعًا ضمن فريق شبابي يقدم المساعدات الإنسانية للنازحين والمتضررين في شمال قطاع غزة. ومع اعتقاد كثيرين أن الأوضاع بدأت تتجه نحو الهدوء، عاد الفريق إلى نشاطه الميداني لمساندة السكان وتقديم ما يستطيع من دعم إنساني.
طالع المزيد: خالد أبو عودة.. حكاية مقاوم نقش اسمه وذاكرة أسرته على جدران النفق
لكن في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول 2025، انقلبت المهمة الإنسانية إلى مأساة شخصية.
لحظة غيرت كل شيء
بينما كان محسن يؤدي عمله التطوعي في الميدان، ألقت طائرة مسيّرة من نوع "كواد كابتر" قنبلة قرب المكان الذي كان يتواجد فيه. في لحظات، انفجرت الشظايا حوله، لتصيب يده اليمنى إصابة بالغة.
أسفر الانفجار عن بتر أربعة أصابع من يده، فيما تعرض الإصبع الخامس لتهتك شديد في العظام، إضافة إلى تمزقات حادة في الأنسجة وإصابات بشظايا في مناطق مختلفة من جسده.
يستعيد محسن تلك اللحظات قائلاً: "كنا نعتقد أن الحرب انتهت وبدأنا نعمل بجد لمساعدة الناس، لكن الاحتلال كان يخترق الاتفاق دون حسيب أو رقيب. في ذلك اليوم رأيت أصابعي تُبتر أمام عيني".
ورغم هول المشهد، حاول التماسك سريعًا. خلع قميصه وربط به يده المصابة لوقف النزيف، ثم سار على قدميه لمسافة قبل أن يتمكن من الوصول إلى سيارة نقلته إلى نقطة إسعاف قريبة، ومنها إلى المستشفى.
رحلة علاج طويلة
داخل المستشفى بدأت رحلة علاج شاقة استمرت أسابيع. مكث محسن نحو أربعين يومًا تحت الرعاية الطبية نتيجة التهابات حادة في يده المصابة، وسط مخاوف الأطباء من اتساع نطاق البتر.
وخلال تلك الفترة، خضع يوميًا لعمليات تنظيف للجرح تحت التخدير، وهي إجراءات طبية متكررة تهدف إلى الحد من الالتهاب والحفاظ على ما تبقى من اليد.
لكن الإصابة لم توقف طموحه العلمي.
يقول محسن لصحيفة "فلسطين": "قبل مواعيد تلك الإجراءات اليومية كنت أحرص على تقديم امتحاناتي الجامعية إلكترونيًا، كنت أحاول ألا أسمح للإصابة بأن توقف مستقبلي".
التكيف مع واقع جديد
مع مرور الوقت، بدأ محسن يتعلم التكيف مع إصابته، معتمدًا بشكل أكبر على يده اليسرى في إنجاز كثير من المهام اليومية.
ولم يتوقف عند ذلك، بل حاول استعادة جزء من مهاراته المهنية، فتعلّم إجراء بعض الفحوصات الطبية البسيطة مثل قياس ضغط الدم وفحص مستوى السكر في الدم وتغيير الضمادات على الجروح.
طالع المزيد: ليلة العودة الأخيرة... حكاية والدَيْن خطفهما القصف قبل فجر اللقاء
يقول: "الإصابة قطعت الطريق الذي كنت أرسمه بعد التخرج. كنت أخطط لمواصلة دراساتي العليا وبناء مستقبلي في التمريض. شعرت للحظة أن الحلم ضاع، لكنني قررت ألا أستسلم".
انتصارات صغيرة
ومع بدء جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي، بدأت ملامح التعافي تظهر تدريجيًا. اكتسب محسن مهارات جديدة تساعده على التكيف مع إصابته، مثل الإمساك بالقلم بيده اليمنى مجددًا، والقيام ببعض الأمور اليومية كربط رباط الحذاء.
قد تبدو هذه الخطوات بسيطة، لكنها بالنسبة له تمثل انتصارات صغيرة في معركة طويلة مع الألم.
فحب مهنة التمريض والإيمان برسالتها الإنسانية كانا الدافع الأكبر لمواصلة الطريق.
حلم لم ينطفئ
اليوم، يقيم محسن مع عائلته داخل مركز الإيواء في جباليا، لكنه ما يزال متمسكًا بحلمه في العودة إلى المجال الصحي وخدمة المرضى والجرحى.
ويأمل أن تتاح له فرصة السفر لتلقي علاج متقدم والحصول على طرف وظيفي يساعده على استعادة قدرته العملية ومواصلة حياته المهنية.
ورغم ما فقده من أصابع يده، يؤمن محسن أن الإرادة قد تكون أقوى من الإصابة.
فالشاب الذي حلم يومًا بمداواة جراح الآخرين، ما زال يحاول تحقيق حلمه… حتى وهو يواصل مداواة جراحه الخاصة.

