تقرير محررة طيبة.. حاضنة علمية واقتصادية بعد 17 عامًا على اندحار المستوطنين

...
غزة/ أدهم الشريف:

قبل قرابة 17 عامًا لم يكن يُسمح لأيّ مواطن من القطاع الساحلي بالاقتراب من الأراضي الواقعة جنوب مدينة غزة الجاثمة عليها مستوطنة إسرائيلية يطلق عليها "نتساريم"، وهي المنطقة التي حَرَّمها جيش الاحتلال على كلّ فلسطيني يحاول الوصول إلى أملاكه المسلوبة لصالح الوحدات الاستيطانية للمستوطنين ومشاريعهم الزراعية.

لقد كان الاستهداف مصير كلّ من يحاول الوصول إلى تلك المنطقة؛ إما رميًا بالرصاص أو بقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات الحربية؛ وكانت جريمة إعدام الطفل محمد الدرة في حضن والده وهما يحاولان المرور عبر الطريق الرئيس المقابل للمستوطنة آنذاك، أبرز دليل على ذلك.

وارتكب جيش الاحتلال جريمة إعدام الدرة والمسعف بسام البلبيسي في 30 سبتمبر/ أيلول 2000، العام الذي شهد اندلاع انتفاضة الأقصى في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد اقتحام رئيس وزراء حكومة الاحتلال آنذاك أريئيل شارون المسجد الأقصى المبارك.

لكن بعد مرور أعوام طويلة اختلف الوضع تمامًا، فلم تعد "نتساريم" مكانها، ولم يبقَ مستوطنوها على أرضها، ولقد أُجبروا على الاندحار من غزة تحت ضربات فصائل المقاومة وأجنحتها العسكرية، وأطلق عليها محررة طيبة.

وأصبح بإمكان أيّ مواطن دخول تلك المنطقة التي تغيّرت معالمها بمرور الأعوام، وأصبحت حاضنة علمية واقتصادية، تضم العديد من المنشآت والمؤسسات.

ومنذ أن اندحر جيش الاحتلال ومستوطنوه عن غزة بحلول سبتمبر 2005، أُنشأت في محررة "طيبة"، العديد من المؤسسات التعليمية، ومنها جامعات فلسطين، الإسراء، وأفرع جديدة لجامعتي الأزهر والإسلامية، وهي تضم أيضًا المستشفى التركي، وقصر العدل، وسوق السيارات، ومنتجع النور، ومرافق سياحية وأراضي زراعية عادت لأصحابها بعدما صادرها الاحتلال سنوات، ومواقع لفصائل المقاومة إضافة إلى أبنية سكنية وغيرها.

ولم تقتصر المستوطنات قبل 2005، على "نتساريم"، بل إنّ مجمعات استيطانية واسعة كانت تنتشر في قطاع غزة وتضمُّ آلاف الدونمات من أراضٍ وأملاك المزارعين والمواطنين الفلسطينيين.

وقال المتحدث الفني باسم وزارة الزراعة م. محمد أبو عودة، إنّ المستوطنات سابقًا كانت تبتلع مساحات ومُقدّرات كبيرة من أراضي القطاع، وكان الاحتلال هو المستفيد الأول والأخير من هذه المقدرات.

وأضاف أبو عودة لصحيفة "فلسطين"، أنّ الاحتلال استغل لسنوات طويلة أراضي في قطاع غزة تتمتع بمواصفات زراعية جيدة، ووفرة في المياه العذبة، لزراعة أصناف متنوعة من النباتات، ومنها المانجا، التي نجحت في الأراضي التي كانت تجثم عليها "نتساريم" وغيرها من المستوطنات التي كانت منتشرة في قطاع غزة.

وأشار إلى أنّ محررة "طيبة" تابعة للإدارة العامة للمحررات وتشرف عليها وزارة الزراعة التي افتتحت سلسلة مشاريع في أراضي المحررات، ونجحت في زراعة أصناف مختلفة من الخضراوات والفواكه، وأسهمت كثيرًا في سد الفجوة في المحاصيل الزراعية، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في العديد منها.

وبيّن أنّ الوزارة استطاعت تحقيق ذلك من خلال إستراتيجية اتّبعتها وتشمل مجموعة أنماط تتعلق بإشراف الوزارة إشرافًا كاملًا ورئيسًا على المساحات المزروعة، والشراكة مع مؤسسات وجمعيات مختصة، وتأجير أراضٍ وتقديم الخدمات المساندة من مياه للرّي وكهرباء وأمن لجمعيات أو مزارعين بهدف استثمارها وزراعتها بأصناف مختلفة من الخضراوات والفواكه تناسب سياسة الوزارة في إحلال الواردات وتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي بمحاصيل كانت تشهد فجوة كبيرة.

وأشار إلى أنّ المواطن والمزارع استفادوا كثيرًا من استثمار المحررات في عملية الزراعة.

ونفس المشهد الذي حصل في "نتساريم" بعد اندحار الاحتلال تكرّر في جميع المحررات التي تنتشر من شمال حتى جنوب قطاع غزة المُطل على البحر الأبيض المتوسط بطول يصل إلى 40 كيلومترًا.

و"نتساريم" أقامها الاحتلال بغزة سنة 1972، وكانت محاطة بوسائل حربية من كل اتجاهاتها، وكذلك المنطقة الزراعية فيها، المنفصلة عن المستوطنة نفسها، كانت تُعدُّ جزءًا من مجال لجيش الاحتلال، حسبما تفيد تقارير.

وبسبب انفصال "نتساريم" عن المستوطنات التي كانت منتشرة بغزة، كانت تنتشر حولها أكثر من عشرة مواقع حراسة، يشغلها جنود من جيش الاحتلال على مدار الساعة، وتحميها كتيبة مشاة وسرية دبابات.

وبينما كان شارون وحزب "الليكود" اليميني، يعدّونها كـ(تل أبيب) وتعهدوا بألا يتنازلوا عنها أبدًا، كانت أحزاب أخرى في (إسرائيل) تعدُّها موقعًا أمنيًّا ساقطًا، ولقد نجحت المقاومة في تنفيذ العديد من العمليات العسكرية، شملت الاستشهادية، وإطلاق صواريخ وقذائف "هاون"، إضافة إلى عمليات إطلاق نيران.

من جهته، قال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي سلامة معروف، إنه منذ اندحار الاحتلال من غزة بدأ التفكير جديًّا في استثمار المحررات، التي كان يُحرّم الاحتلال على المواطن الفلسطيني الاقتراب منها.

وبيَّن معروف في تصريح لـ"فلسطين"، أنّ رؤية استثمار أراضي المحررات تعدُّها مخزونًا إستراتيجيًّا يجب أن يخدم أكثر من قطاع، أولها الزراعي، إذ إن أكثر من 10 بالمئة من الإنتاج المحلي يعتمد على المحررات، ولقد وفّرت سلة غذائية للمواطنين وعزّزت من عملية إحلال الواردات ودعم المنتج المحلي.

وأشار إلى أنه في ظلّ ما تعانيه غزة من ضيق في المساحة وتكدُّس المواطنين في مناطق جغرافية محدودة ترتفع فيها نسبة الكثافة السكانية، تم الاستفادة من المحررات والتمدد العمراني فيها من خلال المشاريع الإسكانية.

وأشار إلى استثمار أراضي المحررات في العديد من المشاريع الإستراتيجية مثل محطات المعالجة وتحلية المياه، وإنتاج الطاقة البديلة، وذلك ضمن رؤية لاستغلال واستثمار المحررات وجعلها جزءًا أساسيًّا من خطة تطوير وتأهيل البنى التحتية عمومًا.