الوضع الاقتصادي وكورونا عائقان

تقرير المطابخ البيتية.. عائلات تتشارك الهمَّ بحثًا عن الرزق

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

يتبادل سائد وإيمان تايه الأدوار، ويتشاركان في تجهيز الطلبيات اليومية، فالزوج يحضر السبانخ، ويقطعه، ثم يطهوه على الغاز، في حين تفتل إيمان داخل المطبخ ذاته حبات المفتول بيديها على طريقة أهل "بيت دراس".

في مطعمهما البيتي الذي يحمل اسم "مفتولنا بدرساوي"، تمكن الاثنان من تجهيز وجبات المفتول والفطائر، وبيعها من خلال صفحتهما على موقع "فيسبوك"، وتوصيلها بواسطة "الديلفري".

على فرنٍ من الطين الموقد بحطب الزيتون، وبينما يطهو سائد الدجاج المغلف بالسلفان على نارٍ هادئة، تكون إيمان قد جهزت المفتول داخل مطبخها البيتي لتبدأ عملية التزيين المعروفة محليا بـ الـ"يخنة".

واليخنة هي خليط من الخضار المسلوق (القرع والبندورة والبصل وحبات الحمص)؛ توضع في أكياس فضية من السلفان لحفظ سخونتها أطول فترة ممكنة.

ينطلق سائد يوميًا على دراجته الهوائية التي تحمل صندوقًا في الخلف وسلة في الأمام، يضع بهما الوجبات لإيصالها للزبائن في منطقته الواقعة بمعسكر جباليا، ثم يعود لجلب خضراوات ومواد طلبيات اليوم التالي، "وهذا يكلفه قرابة ثماني ساعات كل مرة".

يقول لـ"فلسطين": "بدأنا المشروع العام الماضي، وكنا نبيع من خلال علاقاتنا الشخصية لمعارفنا وأصدقائنا، وقد وقفت زوجتي إلى جانبي وافتتحنا المشروع، ثم توسعنا وأصبحنا نستقبل الطلبيات من الجميع".

إلى جانب المفتول يعد مطبخ الزوجين وجبات كأخرى كفطائر السبانخ، والفطائر باللحمة والبصل والمطبق (عجينة تُطبّق فوق بعضها محشوة بالمكسرات) "والمسخن" الفلسطيني، لكن كلها يحكمها معيار الجودة.

بابتسامة مفعمة بالثقة، يكمل: "نغلف الطعام والوجبات بأغلفة صحية، ونعتني بكل التفاصيل، كما أن أسعارنا تناسب أسعار السوق، وجودة المفتول البدرساوي معروفة، فأهل بيت دراس أهله".

بات المطبخ يوفر يوميا عدة طلبيات، لكن هذا على حساب راحة الزوجين، يشرح سائد: "أمس سهرت حتى الثانية فجرًا لتجهيز السبانخ، والمفتول، واستيقظنا باكرًا وبدأنا بتجهيز الطلبات". يصمت قليلًا ثم يتابع ضاحكًا: "يعني بتنام من غير هز من كتر التعب".

يشترك الزوجان هنا لتوفير مصدر الدخل اليومي، يتنازلان عن الرحلات الأسرية للمتنزهات، وحتى عن الزيارات الاجتماعية، "فلا مجال هنا للتقاعس عن يوم عمل واحد (..) وبالكاد نستطيع الاجتماع كعائلة في المساء".

صناعة أكلة بوزن عشرين كيلوجرامًا، قد تجتمع عليها كل نساء العائلة والحارة، لكن هذا ما يقوم به سائد وإيمان وحدهما يوميًا، "بدءًا بمرحلة طحن القمح بالمطحنة، ثم فتله يدويًا بواسطة الكربالة، ثم طهيه على منصب الغاز أو فرن الطين للحصول على مفتول مدخن".

ورغم الطلب المتزايد الذي لا يقل عن 20 كيلو يوميًا، فإن سائد يرى نفسه "خاسرًا"، إذ حوّل بيته إلى ورشة عمل، وأشغل نفسه وزوجته طوال الوقت مقابل مربحٍ بسيط في ظل ارتفاع أسعار الدجاج، وتكلفة المقادير.

ومع ارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة لنحو 48%، ووصول أعداد المتعطلين عن العمل إلى نحو ربع مليون متعطل، باتت فكرة المطابخ المنزلية حلا مبتكرًا للتغلب على مشكلة البطالة، في ظل ارتفاع تكلفة إنشاء مشاريع صغيرة، واستئجار محال، وجلب عمال، وآلات كبيرة.

"ورغم ذلك تواجه هذه المشاريع تحديات كبيرة من أماكن العمل التقليدية، التي تنافسها بتخفيض أسعار منتجاتها أيضًا" يضيف.

أزمة كورونا

ليست المنافسة وحدها التي تعيق عمل المطابخ البيتية، بل ساهمت أزمة "كورونا" في تراجع الطلب على بعضها.

في مطبخ هناء شحادة التي افتتحت مشروعها المنزلي "مطبخ الياسمين" عام 2015م، اختلفت الحال اليوم عمّا كانت عليه في ذلك التاريخ.

تقول لـ "فلسطين": "أصبت بالسرطان فتأثر عملي وقل إنتاجي لفترة، لكن بمجرد أن تعافيت استقبلني فايروس كورونا، ومنذ ظهوره رصدت تراجعًا كبيرًا في الطلبات".

لم يستقبل مطبخها منذ شهر آب/أغسطس الماضي، سوى طلبيتين، إحداها كانت لإعداد وجبات الدوالي والمعجنات وبعض الأطعمة لإحياء حفل تخرج، والثانية طلبية صغيرة، في حين تجلس الآلات الكهربائية في مطبخها المنزلي ساكنة بلا حراك.

تكمل: "هذا التراجع سببه أزمة كورونا، الناس يرفضون أخذ الطعام من الخارج خشية انتشار الفيروس في ظل الحديث عن موجات انتشار جديدة، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب الذي يحد من قدرة العائلات على الشراء من المطابخ البيتية".

تستعيد صورة بدايات العمل: "أذكر أنني كنت أعد 20 كغم من المقدوس (مخلل باذنجان بالزيت) وأبيعها فورًا، لم أكن أستطيع حتى رفع رأسي من كثرة الطلبات، كان الناس يفضلون المطابخ البيتية أكثر من التقليدية لجودة المنتج".

كان عمل هناء يعتمد على الأمانة مع الزبون، إذ تخيره مثلًا بين اللحم المجمد أو الطازج، وبين أنواع الأجبان في المعجنات، لأن ذلك يحدد السعر النهائي.

عدد بسيط

سميرة الغندور (58 عامًا) ماهرة في إعداد المأكولات الشعبية، بدأت مشروعها في إنشاء مطبخ مأكولات "بيتي" لمحاولة توفير دخل إضافي للعائلة، فبدأته قبل عام بإمكانيات بسيطة، وبعدد زبائن "على قدر المعارف".

تقول: "منذ عام وبعدما شاركت في معارض للمأكولات، خصصتُ ركنًا في منزلي للمطبخ لكن اقتصر عملي على بعض المعارف وكانوا لا يزيدون على سبعة أشخاص، وعليه قد تصلني في الشهر طلبيتان تقريبًا، فلا يزيد ربحي على 15 – 20 شيكلًا على الأكثر".

بحسب تجربتها، ترى أن المطابخ التقليدية بقيت محافظة على إقبالٍ أكبر من الناس، نظرًا لقربها وإمكانياتها الأفضل من المطابخ البيتية، "لكن من ناحية الجودة، أرى أن المطابخ البيتية تتفوق، لأن من يشرف عليها سيدات ماهرات في إعداد المأكولات" تكمل.