قرى يمنع الاحتلال عنها مقومات الحياة

"طانا" تعيش حياة بدائية بالمغارات.. و"عصيرة وبيت دجن" تحولتا لسجن كبير

...
طانا (أرشيف)
غزة/ يحيى اليعقوبي:

عبر التاريخ الطويل لفلسطين، استفاد سكانُ خربة "طانا" من الكهوف والمغارات، فكانت ملاذاً لهم للاحتماء من حرّ الصيف أو برد الشّتاء أو هجوم الأعداء والحيوانات المفترسة، أو للراحة والمبيت في أثناء الترحال، مثلما شاع في العهد العثمانيّ، ومقرا مؤقتا للفلاحين، وارتبطت الكهوف في المخيلة الشعبية في البحث عن الكنوز، لكن سكان بلدة "طانا" يلجؤون إليها هربا من عيون الاحتلال الذي يهدم خيامهم ومنازلهم.

في خربة "طانا" بمنطقة الأغوار والتي يسكنها نحو 300 نسمة يعيش الكثير من الأهالي في مغارات قديمةٍ، يحتمون بها من برد الشتاء التي لا توفرها الخيام والبيوت المسقوفة بالصفائح الحديدية التي يهدمها الاحتلال باستمرار، يعيشون أشبه بحياة بدائية، يمنعهم الاحتلال مد شبكات مياه وكهرباء.

هدم الاحتلال مدرسة الخربة ثلاث مرات، فحول الأهالي مسجد الخربة الأثري لمدرسة، في داخل المسجد المبني من واجهات حجرية وفي الداخل تملؤه القباب، تتوزع الفصول على شكل حلقات أمام كل مجموعة تقف مُدرِّسة وهي تشرح لطلابها بالمرحلة الابتدائية، وكأنك تشاهدُ حكاية من الزمن الماضي.

مياه النبع

إبراهيم حنيني، أحد سكان الخربة كان يسير بعيدا عن القرية نحو أربعة كيلو مترات لرعي أغنام، قبل أن يرده اتصالنا عبر الهاتف، أوقف مسير قطيع أغنامه وركن إلى صخرة قمة الجبل الذي وصل إليه، ثم أذن لصوته بالتحرك مستعرضًا معاناة الأهالي هنا: "لا يوجد شيء اسمه مقومات حياة، فلا مياه ولا كهرباء، وإن حصلنا عليها فإننا نحصل عليها بمشقة (...) نعبئ المياه بواسطة "جالونات" بلاستيكية، بعضنا يسير مشيًا مسافة كيلو متر للوصول إلى عين نبع الماء، أو آخر ينتقل بواسطة دابته، ومن يمتلك سيارة ينقل بها، وهذه الجالونات تستخدم للشرب والغسل وسقي الحيوانات، فأغلبنا لا يزرع بسبب سياسة الاحتلال".

الطاقة الشمسية البديلة، هي وسيلة لجأ إليها الأهالي لإمداد الكهرباء، لكن الطاقة التي تصل إلى حنيني تبلغ 180 واطًا تكفي فقط لإنارة المصابيح، بعضهم ما زال يعيش على أضواء الزيت وبعضهم على المصابيح الكهربائية، يدخلك لتفاصيل الحياة اليومية لسكان المغارات: "بالنسبة لنا العيش في المغارات أفضل من الخيام التي تتبلل في الشتاء، المغارة توفر الدفء رغم أنك من جانب آخر تشعر وكأنك تعيش في العصور القديمة والبدائية، لكن هذه حياة فُرضت علينا ونتمسك بأرضنا حتى لا يسيطر عليها الاحتلال لذلك نتحمل قسوة العيش والمعاناة اليومية".

أطماع الاحتلال كبيرة في هذه المنطقة الأثرية، فجلب المستوطنين إلى المنطقة وحاصر الأهالي وضيق الخناق عليهم، ولا يكف عن هدم الخيام ومصادرة معظم وسائل النقل الكبيرة، ومع كل مرة يحاول فيها الأهالي مواكبة الحياة، يعيدهم الاحتلال إلى الزمن البدائي، بسياسة ممنهجة تهدف لتهجيرهم.

ويوجدُ في طانا نحو 45 كهفاً ومغارة مختلفة الحجم والاتساع والعمق، محفورة طبيعيّاً منذ القدم. أشهرها كهف "عراق الفدان" الذي تبلغ مساحته 300م2، بعضها استخدم مكاناً للدفن في العصر البرونزي كما يُستدل من المكتشفات فيها من هياكل عظمية بشرية وأدوات منزليّة دُفنت مع الموتى.

حريق في "عصيرة"

في قرية عصيرة القبلية التابعة لمحافظة نابلس، أصواتُ استغاثة تصل إلى مسامع عبد الكريم حمدان قبل أن يأخذ غفوة الساعة العاشرة صباحًا قبل عدة أيام: "الحقوا.. الأراضي بتنحرق!"، قفز من سريره إلى أرضه البالغ مساحتها خمسة عشر دونمًا ومزروعة بأشجار الزيتون، وهو بات على مشارف حصاده، يرى الدخان يصعد إلى السماء وبقعة النار تتسع وتتمدد.

استنجد الأهالي بالدفاع المدني الفلسطيني من القرى القريبة، الكل شارك في إخماد الحريق بكل الأدوات المتاحة لديهم قبل أن تصل إلى قريته، معه هدأت أنفاس المزارع الذي يعتمد على الزراعة دخلًا وحيدًا.

"كنا ننتظر موسم الزيتون بفارغ الصبر، ولقد بذلنا جهدًا كبيرًا في الري والزراعة وحراسة الأرض وفجأة كل هذا يحرق بغمضة عين، ولولا قدوم الدفاع المدني لتمدد الحريق الذي حرق نحو 500 شجرة زيتون لداخل الخسائر" والكلام لحمدان الذي يتهم الاحتلال ومستوطنيه بارتكاب الجريمة.

تأخذه الذكريات للحظة قدومه للعيش في القرية: "كنت أول من سكن عصيرة القبلية، وهي منطقة مجاورة لعصيرة الأم، وبدأ الناس يتجمعون وتزداد أعدادنا، اعتمدنا على الزراعة وسيلةَ حياة ومصدرَ دخل لإعالة أُسرنا، لكن الاحتلال لا يتركنا وشأننا؛ فدائما يشن اعتداء جماعيًّا علينا".

سجن كبير

انبعث صوته الندي لإقامة صلاة الجمعة من مئذنة المسجد "الكبير" بقرية بيت "دجن" شرق نابلس؛ وهو يشد أحزمة الرحيل، والوداع –هو نفسه لا يدرك ذلك– وما إن انتهت الصلاة حتى خرج مؤذن وإمام المسجد الشيخ عاطف حنايشة مسرعًا لمشاركة الأهالي في الفعالية التي تخرج للدفاع عن الأراضي المهددة بالمصادرة التي استولى عليها المستوطنون.

للجمعة الثالثة والعشرين على التوالي تقدم الشيخ عاطف الصفوف الأولى، وضع الحجر في المقلاع ودار به عدة دورات –كأحد أدوات المقاومة الشعبية- قبل أن يطلق له العنان لينطلق تجاه جنود الاحتلال والمستوطنين، ولحق به غضبه المنتفض بداخله، لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى ابتلعت الجبال صدى صوت رصاصة اخترقت مدخل فمه في رسالة من الاحتلال لأهالي القرية أنه أسكت صوت مؤذنهم في 21 مارس/ آذار الماضي.

قرية "بيت دجن" تتبع لمحافظة نابلس وتبعد سبعة كيلو مترات عن مركز المدينة، تبلغ مساحتها 50 ألف دونم، تمتاز -كما يقول أحد سكانها ويدعى توفيق الحج محمد، وقد هدم الاحتلال بيته مرتين- "بطيبة أهلها وألفتهم، لم تتأثر القرية بأي من الظروف السياسية والانقسام الفلسطيني، تعيش بنفس وحدوي، يتلاحم فيها أهلها على قلب رجل واحد".

لكن ومنذ عام، استيقظ الأهالي على قيام مستوطن وعائلته بنصب بيت متنقل وحظيرة لمجموعة من الأبقار، يسانده جيش الاحتلال، ليحول هذا المستوطن القرية لسجن كبير، وهي تقف الآن وحيدة في وجه مخطط استيطاني كبير يهدف لربط مستوطنات نابلس بمستوطنات أريحا، إضافة للاستيلاء على 25 ألف دونم من مساحة القرية.

لكن الأهالي لم يرفعوا راية الاستسلام لهذا المخطط، عاطف حنايشة كان أول شهيد في القرية، وما زالت فعاليات القرية قائمة لطرد المستوطن يقول الحج محمد: "منذ عام ونحن ننظم مسيرة أسبوعية يوم الجمعة لطرده، لقد أصبحنا في مواجهة مستمرة مع الاحتلال، وبات كل تركيزنا هو طرد المستوطن، حتى لا تتمدد المستوطنة ويأتي غيره (...) في كل يوم جمعة يهب الرجال نحو المستوطنة لطرده، في حين تقوم المرأة الفلسطينية بالدعم اللوجستي وإمدادنا بالطعام".